منتديات قرية الطريبيل

إسلامي - علمي - تربوي - ثقافي- مناسبات - منوعات
 
الرئيسيةالرئيسيةمكتبة الصوربحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 قدوتنا الإمام عليّ عليه السلام

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الإدارة
عضو ذهبي ممتاز
عضو ذهبي ممتاز
avatar

الجنس : ذكر
عدد الرسائل : 6362
تاريخ التسجيل : 08/05/2008

مُساهمةموضوع: قدوتنا الإمام عليّ عليه السلام    الأربعاء يوليو 18, 2012 10:22 am

قدوتنا الإمام عليّ عليه السلام
الإمام عليّ عليه السلام مثلنا الأعلى
إمامنا الكبير الخمينيّ قدس سره قد استطاع أن يغرس في ذاته جزءاً وجانباً من معدن الجمال والإخلاص لذلك الرجل الفذّ.
وهذا الجزء الّذي نتحدّث عنه بالغ العظمة طبعاً، إلّا أنّه ضئيل، ولا يكاد يمثّل إلّا قطرة من المحيط المترامي لشخصيّة أمير المؤمنين عليه السلام ، وإن كان بحدّ ذاته كبيراً وكثيراً جدّاً.
أعزّائي، لا تتيسّر معرفة أمير المؤمنين عليه السلام بهذه الطريقة، ولا يمكن ذلك.
نعم, للإنسان أن يستشعر شيئاً عنه عليه السلام عن طريق هذه المقارنات؛ فالإمام السجّاد عليه السلام أجاب أحد أصحابه حينما سأله: يا بن رسول الله لماذا تحمل نفسك على هذه المشقّة وتكثر من الزهد والعبادة؟ فما الّذي يجعلك تحرص على كلّ هذا الزهد والعبادة؟ فلو رحمت نفسك وجسدك! فبكى الإمام السجّاد عليه السلام وقال (ما معناه): "ألا قارن بيني وبين أمير المؤمنين عليه السلام ، وانظر أين أنا وأين أمير المؤمنين"1. اُنظروا؛ فهذا كلام زين العابدين عليه السلام.
شخصيّة الإمام السجاد عليه السلام من الشخصيّات النادرة، لا أنّها نادرة

في العمل فحسب، وإنّما هي نادرة في الفكر أيضاً؛ إنّه شمس ساطعة لا يمكن لأحد النظر إلى شعاعها إلّا عن بعد. وهو حينما ينظر إلى أمير المؤمنين عليه السلام ينظر إليه بعين التعظيم والإجلال الّتي ينظر بها طفل صغير إلى بطل عملاق. هذا هو أمير المؤمنين عليه السلام وهذه عظمته.
أعزائي، إنّ الجانب الّذي يعنيني ويعنيكم هو هذا البعد من القضيّة، وهو أنّ اتّباع هذا الرجل لا يتحقّق بمجرّد الكلام، فلو كنتم في ساحة الحرب وتؤكّدون على الدوام أنّ فلاناً هو قائدنا، وتعلنون دوماً طاعتكم له، ولكن حينما يدعوكم ذلك القائد للاصطفاف لا تستجيبون، وعندما يأمركم بالتدرّب لا تأتمرون، ويأمركم بالهجوم فتعرضون، فأيّة قيادة هذه؟ ليس هذا قائدكم؛ فالإنسان يمارس مثل هذا السلوك مع عدوّه ومع الإنسان الغريب.
أمير المؤمنين عليه السلام مولانا وإمامنا وقائدنا، ونحن شيعة عليّ عليه السلام ، وإنّا نفتخر بهذا: ولو أنّ أحداً ذكر اسم أمير المؤمنين عليه السلام بقليل من التعظيم، امتلأت قلوبنا غيظاً عليه، إذاً لا بدّ أن يكون لهذا تأثير في حياتنا.
لا نقول نكون كأمير المؤمنين عليه السلام ؛ فالإمام السجاد عليه السلام قد قال إنّه غير قادر على العمل كأمير المؤمنين عليه السلام2 ، وأمير المؤمنين عليه السلام نفسه قال: "أَلاَ وَإِنَّكُمْ لاَ تَقْدِرُونَ عَلَى ذلِكَ"3, ولمن قال أمير المؤمنين عليه السلام هذا الكلام؟ قاله لعثمان بن حنيف مع كلّ ما له من عظمة، إنّك لا تقدر على مثل ما


أعمل. وهذا من الواضح. ولكن سيروا على الأقل في ذلك الاتجاه، وعلى ذلك الطريق، وفي ذلك المسار. وهذا واجب. فإذا ما أردتم أن تكونوا في خندق أمير المؤمنين عليه السلام فإنّ أبرز ما تميّز به" عليه السلام في عهد حكومته والذي يرتبط بحاضري وحاضركم خصلتان: إحداهما العدل الاجتماعيّ، والأخرى الزهد في الدنيا.
أعزّائي هذان الأمران يجب أن نرفعهما كالعَلَم في مجتمعنا. العدالة الاجتماعيّة هي أن تكون نظرة الحكومة إلى جميع أبناء الشعب متساوية، وأن يكونوا سواسية أمام القانون، وفي الامتيازات، وفي التعامل.
من البديهيّ أنّ لكلّ إنسان أصدقاء وأقارب، لهذا فإنّ العلاقات ليست متساوية مع الجميع. فالشخص المسؤول من دون فرق بين أن يكون مسؤولاً عن دائرة أو موظفاً صغيراً، أو كان حجم مسؤوليّته كبيراً أوْ لا؛ فالجميع سواسية له صلة بشخص، وليس له صلة بشخص آخر، لا نريد أن نقول هذا, ولكن نقصد أن يكون السلوك والتعامل قانونيّاً, أي حينما تكون ثمّة امتيازات، ومن شأن الحركة والنظرة والإشارة من المسؤول أن تكون ذات أثر، يجب هنا أن يكون الجميع سواسية. يجب أن يشعر الجميع بأنهم ينتفعون من خيرات النظام الإسلاميّ بشكل متساوٍ, طبعاً بعضهم يتميّز بالكسل ولا يلاحق العمل، وبعضهم يقصّر، وبعضهم الآخر يظلم نفسه، هؤلاء حسابهم على حدة.
أمّا معنى العدالة الاجتماعيّة فهو أن تطبّق جميع القوانين والمقرّرات


على أفراد المجتمع عامّة, وأن لا يحصل بعض الناس على امتياز خاصّ من غير سبب. هذا هو معنى العدالة الاجتماعيّة، وهذا ما فعله أمير المؤمنين عليه السلام. وهو السبب الّذي جعل بعض الناس يعادي، بل يخرج ويقاتل أمير المؤمنين عليه السلام.
حينما تعدّى ذلك الشاعر النجاشيّ الّذي نظم كلّ تلك الأشعار بحقّ أمير المؤمنين عليه السلام وضدّ أعدائه، حدود الله في شهر رمضان، أقام عليه أمير المؤمنين عليه السلام حدّ الله، مذكّراً إياه: إنّك تعدّيت على حدود الله, وكان ذلك الرجل قد شرب الخمر في نهار شهر رمضان علناً فكان ذنبه شرب الخمر وهتك حرمة شهر رمضان أيضاً فجاءه جماعة وقالوا: "يا أمير المؤمنين إنّ هذا الرجل نظَم بحقك الكثير من الأشعار، وهو يعلن لك الولاء، وإنّ أعداءك قد بالغوا في إغرائه فلم يستجب لهم، فاحتفظ به", فقال لهم ما مضمونه: "نعم، ليبقَ، ولكنّني أقيم حدّ الله عليه", وأقام عليه الحدّ؛ فالتحق النجاشي بمعاوية4, هكذا كان يتعامل أمير المؤمنين عليه السلام مع أحكام الله ومع حدود الله.
لكن ومن جهة أخرى جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فأقرّ بالسرقة، فقال له: أتقرأ شيئاً من القرآن؟ قال: نعم، سورة البقرة, فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: "قد وهبت يدك لسورة البقرة"5.


فيدك الّتي يجب أن تقطع وهبتها لك مقابل سورة البقرة، فاذهب.
لم يكن هذا التمييز عبثاً؛ وإنّما لأجل سورة البقرة، وتكريماً للقرآن. حينما تعرض الأصول والقيم والمعايير لم يكن أمير المؤمنين عليه السلام يعير اهتماماً لأحد؛ فحينما فسق ذلك الرجل وفجر أقام عليه الحدّ الشرعيّ لفسقه وفجوره، ولم ينظر إلى أنّ هذا الرجل قد أسدى إليه خيراً، ولكنّه تغاضى عن إقامة حدّ السرقة لأجل القرآن. هذا هو أمير المؤمنين عليه السلام.
أي إنّه يسير مئة بالمئة وفقاً للمعايير والقيم الإلهيّة ولا شيء سواها. والقول المأثور "إنّ علياً قُتل في محراب عبادته لشدّة عدله" ولا أعلم قائله على وجه الدقّة، قول صحيح؛ فعدالة أمير المؤمنين عليه السلام جعلت أصحاب النفوذ لا يطيقون عدله.
ولعلّ بعضهم يقول الآن: إنّ العدالة الّتي لم تسمح لعليّ عليه السلام بمواصلة حكومته المباركة، كيف تريدون تطبيقها اليوم؟ أقول: يجب تطبيق ما نقدر عليه وما نطيقه.

إنّنا لا ندّعي وجوب تطبيق العدالة مثل أمير المؤمنين عليه السلام ، بل نقول يجب تطبيق ما يقدر مؤمن العصر على تطبيقه. وهذا القدر من العدالة الّذي يمكن تطبيقه ويجب تطبيقه، إذا اتّخذ طابعاً ثقافيّاً وأدرك الناس معنى العدالة، سيكون حينها قابلاً للتحمّل. جماهير الأمّة كانت تحلو لها عدالة أمير المؤمنين عليه السلام ، ولم تكن كارهة لها، إنّما الّذي ساءته عدالة عليّ عليه السلام أصحاب النفوذ.


والسبب الّذي أعانهم على انكسار أمير المؤمنين عليه السلام ومكّنهم من إيجاد تلك الحالة في معركة صفّين، ثمّ قتله، والسبب الّذي ملأ قلب أمير المؤمنين عليه السلام قيحاً، هو أنّ قدرة التحليل كانت ضعيفة لدى الناس، والمتنفّذون يؤثّرون على أفكارهم. يجب تصحيح قدرة الناس على الفهم والإدراك، ورفع مستوى الإدراك السياسيّ في المجتمع، ليصير بالإمكان تطبيق العدالة.
زهد أمير المؤمنين عليه السلام
من أبرز المعالم في نهج البلاغة هو الزهد. والزهد الّذي طرحه أمير المؤمنين آنذاك، إنّما طرحه كعلاج لمرضٍ كان يعاني منه المجتمع الإسلاميّ.
لقد ذكرت ذلك مراراً، واليوم يجب أن نقرأ نفس آيات الزهد تلك.
وحينما كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: "لا تغرّكم محاسن الدنيا وإغراءاتها"، كان الكثير من الناس لا يحصلون على تلك الملذّات؛ بل لعلّ أكثر الناس كانوا على هذه الشاكلة. فخطاب أمير المؤمنين عليه السلام مع أولئك الّذين أغنتهم الفتوحات - وأصبحوا خلال سنوات التوسّع وتنامي قوّة الإسلام الدوليّة، على درجة من الثراء والامتيازات - لهجته التحذير من سوء العاقبة وخسران الآخرة.
نحن عندما نتحدّث عن الزهد، ونحاول أن نُلفت الأنظار إليه، لا يقال لنا: إنّ أكثر الناس لا يملكون هذه الأشياء الّتي تتحدّثون عنها؛ بل خطابنا


مع الأثرياء الّذين فتحت لهم ملذّات الدنيا أحضانها فاستطاعوا بلوغ تلك الملذّات بطرق الحرام، ثم بعد ذلك مع من استطاع بلوغ الملذّات من طرق الحلال.
إنّ الورع والنقاء واجتناب الحرام، والتقوى، هي أرفع وأوجب أنواع الزهد البتّة، إلّا أنّ الزهد في اللذات المحلّلة له مرتبة رفيعة أيضاً؛ نعم، مخاطَبوه أقلّ أفراداً.
واليوم هو ذلك اليوم، مع التفاوت في ظروف الزمان والخصائص التاريخيّة لكلّ عصر، وعلى من تصل أيديهم إلى الرغد والنعيم والملذّات والرفاه المتزايد للحياة، أن يضعوا كلمات أمير المؤمنين عليه السلام في الزهد نصب أعينهم. ولا شكّ في أنّ هذا الخطاب أشدّ وأبلغ مع أصحاب المسؤوليّات، وهو يعمّ مَن لا منصب ولا مسؤوليّة حكوميّة له أيضاً ولكن بشكل أضعف؛ فأولئك أولى به.
ولو أنّ مجتمعنا الإسلاميّ الّذي تُحدق به كلّ هذه المخاطر، وكلّ هؤلاء الأعداء، وضع هذه التوصيات نصب عينيه وأولاها الاهتمام اللازم وأعطاها صيغة ثقافيّة، وأدرك كلّ هذا وتحدّث فيه وطالَب به، فلن يؤدّي تطبيق مثل هذه العدالة ومثل هذا الزهد إلى إيجاد أيّة مخاطر على النظام الإسلاميّ أبداً، بل إنّها تجعله أكثر قوّة وصلابة.
لقد أوقد أمير المؤمنين عليه السلام هذين المشعلين ليضيء كلّ التاريخ, والّذين يتمرّدون سيلحقون الضرر بأنفسهم، ويبقى اسم عليّ، وذكر عليّ، ودرس


عليّ عليه السلام على مدى التاريخ لا يطاوله النسيان، وسيبقى على الدوام6.
جوانب أخرى من صفات الإمام أمير المؤمنين عليه السلام
قد تحدّث عن أمير المؤمنين عليه السلام الخطباء والكتّاب والمفكرون والشعراء والنادبون والمادحون لأهل البيت عليه السلام ، وجميع المسلمين من الشيعة وغيرهم، وغير المسلمين قُرابة ألف وأربعمائة سنة، وسيستمرّ الحديث عنه عليه السلام إلى أبد الدهر، إلّا أنّ دائرة الكلام حول هذهِ الشخصيّة العظيمة من الاتّساع بدرجة أنّه لو دخلنا من أيّة زاوية لوجدنا أشياءً غير مذكورة.
فليس بالإمكان إحاطة المخاطَب بجميع حقائقه ويقال له: هذا هو أمير المؤمنين عليه السلام.
نعم بالإمكان الدخول من أبعاد مختلفة وبيان شيءٍ حول هذا الشخص العظيم بمقدار ما تَسعُه همتنا وفهمنا وبصيرتنا.
فكّرت فرأيت أنّه ربما أمكن العثور على مئة صفة ذكر التعبير بالمئة بعض الكبار أيضاً في بعض الروايات وخصوصيّة في أمير المؤمنين عليه السلام ، سواءً الخصوصيّات المعنويّة كالعلم والتقوى والزهد والحلم والصبر وخصوصيّاته النفسيّة، أم خصوصيّاته السلوكيّة ككونه أباً وزوجاً ومواطناً ومقاتلاً وقائداً وحاكماً، أم خصوصيّاته في معاشرة الناس كإنسان متواضع


وعادل ومدبّر لشؤون الناس وقاضٍ. فربما أمكن عدُّ مئة صفة من هذا النوع لأمير المؤمنين عليه السلام ، ولو أمكن لشخص بيان هذهِ المئة صفة ببيان شامل وبليغ لأمكنه إجمالاً عرض صورة كاملة تقريباً عن أمير المؤمنين عليه السلام.
غير أنّ دائرة هذهِ الصفات أيضاً من الاتّساع بحيث تحتاج كلّ واحدة منها إلى كتاب واحد على الأقل.
نأخذ إيمان أمير المؤمنين عليه السلام كمثال.
إنَّ الخصوصيّة الّتي أريد التحدّث عنها وسأذكرها فيما بعد ليست هي الإيمان - إلّا أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان إنساناً مؤمناً، أي إنّ الفكر والإيمان والاعتقاد كان راسخاً في أعماق وجوده، فبأيّ شيء يمكننا أن نقيس هذا الإيمان حتّى تتجلّى عظمة إيمان أمير المؤمنين" عليه السلام ، وبناءاً على ما نقل عنه عليه السلام أنّه قال: "لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً"7 ، أي لو أزيحت حُجب الغيب وتمكّنت من مشاهدة الذات المقدّسة للباري تعالى والملائكة والجنّة والنّار وكل ما ذكرته الأديان عن الغيب وملكوت هذا العالم بهذهِ العين الباصرة لما زاد يقيني على ما هو عليه، أي إنّ هذا اليقين كيقين من شاهد جميع الحقائق بعينه.
هذا الإيمان الّذي يقول عنه الشاعر العربي:
أشهد بالله لقد قال لنا محمّد والقول منه ما خفى
لو أنّ إيمان جميع الخلق ممّن سكن الأرض ومن حلَّ السما


يجعل في كفّة ميزان لكي يوفي بإيمان عليّ ما وفى
أو السابقة إلى الإسلام مثلاً إذ آمن في صغره وارتضى هذا الطريق وسلكه بكلّ كيانه حتّى اللحظة الأخيرة، وهذا شيء لا يمكن بيانه في بضع كلمات.
وعلى كلّ حال فجميع هذه الأبعاد أبعاد عظيمة وواسعة.
وقد شاهدنا كثيراً من العظماء وتعرّفنا إليهم أو قرأنا سيرهم في الكتب وهم من العظمة بمكان لو جسّدهم الإنسان بشكل صحيح فسوف يشعر حقاً بالضآلة أمامهم، ومَثَلهُ في ذلك كمن يرفع رأسه إلى السماء ويشاهد القمر وكوكب الزهرة والمشتري، فكم هي كبيرة ومرتفعة هذهِ الكواكب وكم هي وضّاءة، غير أنّ عيوننا القاصرة والضعيفة عاجزة عن فهم الفرق بين هذا الكوكب الّذي يحمل اسم المشتري أو الزهرة وبين ذلك الكوكب الّذي لا يُشاهد إلّا بواسطة الأجهزة الفنيّة والتلسكوبات الدقيقة, ويقال إنّها تبعدُ عنا ملايين السنين الضوئيّة وتشكل مجرةً وحدها، وكم هي بعيدة عنه، فكلاهما يبدو كوكباً وكلاهما تراه أعيننا في الليل شاخصاً في السماء.
ولكن أين هذا من ذاك؟ فنحن عن تلك العظمة من البعد بمكانٍ لا يمكننا معه أن نفهم الفرق بشكل صحيح بين أمير المؤمنين عليه السلام وبين العظماء والكبار في التاريخ والإسلام والكتّاب والعلماء وفي كلّ المواطن التاريخيّة والبشريّة.
إنّ أمير المؤمنين عليه السلام حقيقة مذهلة، والإشكال في المسألة يبدأ


من أننا وإيّاكم نُعدّ من شيعة عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، وعلينا أن نقتدي به، فلو جهلنا شيئاً من أبعاد شخصيّته فسيحدث خلل في هويّتنا.
فأحياناً لا يدّعي الإنسان شيئاً، إلّا أننا ندّعي ذلك الشيء ونريد أن نكون علويّين.
فنحن الشيعة في الدرجة الأولى, والمسلمون من غير الشيعة في الدرجة الثانية، نواجه هذه المشكلة. طبعاً جميع المسلمين يقرّون بأمير المؤمنين عليه السلام ، غير أنّ الشيعة ينظرون إلى هذا الرجل الشامخ ويعرفونه بكيفيّة وعظمة خاصّتين.
شجاعة الإمام عليّ عليه السلام
الشجاعة صفة عظيمة ومؤثّرة، وأثر الشجاعة في ساحة القتال هو أن لا يخشى الإنسان المخاطر ويخوض غمار الهول ويبذل جهده وينتصر على العدو، والناس يفهمون هذا الجانب من الشجاعة.
ولكن للشجاعة مواطن أخرى غير ساحة الحرب، ويكون أثر الشجاعة هناك أهمّ منه في ساحة الحرب، كما في مجالات الحياة، وتقابل الحقّ مع الباطل، وساحة المعرفة وتبيين الحقائق وساحة المواقف الّتي تعرض للإنسان طيلة حياته، فأثر الشجاعة يظهر في هذهِ المواطن.
فالشجاع هو الّذي حينما يرى الحقّ يتبعه ولا يخشى شيئاً ولا يحول دونه محذور ولا تحول دونه الأنانيّة ولا عظمة جبهة العدو، وأمّا غير


الشجاع فلا نقول إنّه لا ينتصر على العدو فحسب، بل أحياناً قد يتداعى بناء الحقّ بانعدام شجاعة الفرد إذا كان ذا منزلة ومكانة في المجتمع. هذهِ هي حقيقة الشجاعة.
فأحياناً على أثر عدم شجاعة فرد ينقلب حقّ إلى باطل، وأحياناً على أثر عدم شجاعة شخص كان ينبغي له التدخّل ينقلب باطل إلى حقّ, هذهِ شجاعة أخلاقيّة واجتماعيّة وشجاعة في واقع الحياة، وهذهِ الشجاعة أسمى من الشجاعة في ساحة القتال.
كان أمير المؤمنين عليه السلام من أشجع الشجعان في ساحة الحرب، فلم يولِّ العدو ظهره أبداً وليس هذا بالقليل، فقصّته في حرب الخندق معلومة حيث تقدّم عندما تخاذل الجميع، كذلك قصّته في فتح خيبر، وفي وقعة بدر وأُحد وحُنين، وكلّ واحدة من هذه الوقائع لو نظرتم إليها تجدون أمير المؤمنين عليه السلام وله من العمر في بعضها 24 سنة وفي بعضها 25 سنة، وفي بعض المواطن 30 سنة قد نصر الإسلام وهو شاب لم يتجاوز العقد الثالث بشجاعته في ميادين القتال وخلق تلك الأعاجيب، وهذا يختصّ بالحرب.
ولكنّني أقول: يا أمير المؤمنين، يا حبيب الله إنّ شجاعتك في ميادين الحياة أكثر بكثير من شجاعتك في ساحة الحرب، وذلك منذ صغرك فقضيّة السبق إلى الإسلام الّتي ذكرتها والّتي لبّيت فيها الدعوة حين رفضها الجميع ولم يجرؤ أحد منهم، هي قضيّةُ شجاعةٍ.
طبعاً خذوا بنظر الاعتبار حادثة كهذه حيث يمكن أن تكون مثالاً من


أبعاد مختلفة لخصوصيّات مختلفة، إلّا أنّنا الآن ننظر إليها من زاوية شجاعة هذا العمل.
طرح النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم دعوته في مجتمع كانت جميع العوامل فيه تناهض هذهِ الدعوة، فجهل الناس وحميّتهم، وشرف الأشراف المسيطرة على الناس تقف بوجه هذه الدعوة.
فأيّ نجاح يمكن أن تطمح إليه دعوة كهذه في المجتمع؟
قام النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بطرح مثل هذه الدعوة ?وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ?8. في البداية عمد الأعمام المتكبّرون وأصحاب الرؤوس المليئة بالعصبيّة والغرور والعنجهيّة وغير المذعنة للحقّ والساخرة بكلّ كلام متين في الدنيا، عمدوا إلى الاستهزاء والسخرية، مع أنّه كان جزءاً منهم وكانت عندهم عصبيّة تجاه العِرق، فجميع الناس آنذاك كانوا كذلك، فأحياناً يقتتلون عشر سنوات انتصاراً لقريب لهم.
ولكنّه عندما حمل هذا القريب هذا المشعل بيده زوى الجميع أعينهم وصرفوا وجوههم ولم يحتفلوا به وأهانوه وحقّروه وسخروا منه.
وهنا قام هذا الغلام وقال: "أنا يا رسول الله".
طبعاً كان قد آمن قبل ذلك إلّا أنّه هنا أعلن إيمانه، وأمير المؤمنين" عليه السلام هو ذلك المؤمن الّذي لم يكن إيمانه مستوراً أبداً طيلة ثلاث عشرة سنة من بداية البعثة إلّا في الأيام القليلة الأولى، فقد أخفى


المسلمون إيمانهم لعدّة سنوات، إلّا أنّ الجميع كانوا يعرفون بأنّ أمير المؤمنين عليه السلام قد آمن منذ البداية.
جسّدوا هذا الأمر في أذهانكم بشكل صحيح، ففي الوقت الّذي يُمارس فيه الجيران وكبار المجتمع الإهانات والتضييق، إذ يسخر الشاعر والخطيب والثريّ، ويوجّه الحقير والسافل الإهانات، يقف الإنسان وسط هذهِ الأمواج الجارفة والمعارضة شامخاً صلباً كالجبل الأشمّ معلناً: عرفت الله، وعرفت هذا الطريق وأصرّ عليه, فهذه هي الشجاعة، وقد تجسّدت هذهِ الشجاعة في مكّة والمدينة وفي مبايعة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
فقد عمد النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عدّة مرات وفي عدّة مناسبات إلى أخذ البيعة، وإحدى تلك البيعات وربما أصعبها هي بيعة الشجرة (بيعة الرضوان) في حادثة الحُديبية9.
فعندما ازداد الموقف حرجاً جمع النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ذلك الألف وبضع مئات من الّذين تحلّقوا حوله على ما هو مذكور في كتب التاريخ ونقله الجميع قائلاً: "تبايعوني على الموت وعدم الهزيمة وأن تحاربوا حتّى النصر أو القتل".


وأتصوّر بحسب الظاهر أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يأخذ مثل هذهِ البيعة من المسلمين في موضع آخر غير هذا الموضع. وكان في هذهِ الجماعة مختلف الناس وكان فيهم ضعاف الإيمان إذ يذكرون بعض الأسماء أيضاً وفيهم حتّى من المنافقين في هذهِ البيعة.
وأوّل من بايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو هذا الشاب اليافع الّذي له من العمر عشرون سنة ونيّف، فرفع يده وقال: "أبايعك على الموت"، وبعد ذلك تشجّع المسلمون وتقدّموا وبايعوا واحداً بعد الآخر, وحتّى الذين لم يرغبوا في ذلك اضطّروا إلى المبايعة ?لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ?10. وهذهِ شجاعة.
ففي حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أينما وجد موضع لإظهار الجوهر الإنسانيّ كان هذا العظيم يتقدّم، فكان السبّاق في كلّ الصعاب.
جاء رجل إلى عبد الله بن عمر ليتحبّب إليه، وقال: أنا أبغض عليّاً, وكان يرى أنّ هؤلاء عائليّاً لا يحبّون علياً عليه السلام ، فقال له عبد الله بن عمر: "أبغضك الله، أتبغض رجلاً سابقة من سوابقه خير من الدنيا وما فيها؟"11.
هذا هو أمير المؤمنين عليه السلام العظيم. هذا هو عليّ الساطع في التاريخ. هذهِ هي الشمس الّتي سطعت لعدّة قرون وتزداد سطوعاً يوماً بعد يوم. فأينما لزم وجود الجوهر الإنسانيّ كان هذا الرجل العظيم حاضراً

هناك حتّى إذا لم يكن معه أحد، فقد كان يقول: "لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلّة أهله"12 ، وكان هو أيضاً كذلك. فإذا كنتم في أقليّة وكان جميع أهل الدنيا ضدّكم ولا يرتضون طريقكم، أو أنّ الأكثريّة لا تقبل ذلك فلا تستوحشوا ولا تتراجعوا، فعندما تتعرّفون إلى الطريق القويم اسلكوه بكلّ وجودكم.
هذا هو المنطق الشجاع لأمير المؤمنين عليه السلام ، وهذا ما التزمهُ أيضاً في حياته.
وفي حكومته أيضاً الّتي استغرقت أقلّ بقليل من خمس سنوات كان هذا المنطق أيضاً ماثلاً أمام أمير المؤمنين عليه السلام. فكلّ ما ترونه شجاعة، ومنذ اليوم الثاني من مبايعته عليه السلام خرج وتكلّم بشأن القطائع الّتي أعطيت قبله لهذا وذاك وقال: "وَالله لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ النِّسَاءُ، وَمُلِكَ بِهِ الاْمَاءُ، لَرَدَدْتُهُ؛فَإِنَّ في العَدْلِ سَعَةً، وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ العَدْلُ، فَالجَوْرُ عَلَيْهِ أَضيَقُ"13. وشرع في ذلك وحدثت تلك الضغائن.
فهل تُعهد شجاعة أعظم من هذهِ الشجاعة؟
وقف بشجاعة أمام أكثر الناس عناداً، ووقف بشجاعة أمام ذوي النفوذ في المجتمع الإسلاميّ، ووقف بشجاعة تجاه الثروة المتكدّسة في الشام والّتي كان يمكنها تجهيز ورصّ عشرات الآلاف من الجنود لمقاتلته،


فعندما عرف طريق الله لم يتساهل مع أي شخص. وهذهِ شجاعة، كما أنّه لم يتساهل حتّى مع أقربائه.
إنّ التلفّظ بهذهِ الأمور سهل، إلّا أنّ العمل بها عظيم وشاقّ جدّاً. فقد كنّا في يومٍ ما نبيّن هذهِ الأمور كعبرٍ من حياة عليّ عليه السلام ، ولابدّ من الاعتراف بحقيقة الأمر وهو: أنّنا لم ندرك عمق هذا المطلب بشكل جيّد.
هكذا عاش أمير المؤمنين عليه السلام ، فتعرّف ببركة ذلك ملايين الناس على الإسلام والحقيقة.
هذا هو أمير المؤمنين عليه السلام الّذي لُعن قرابة المئة عام فوق المنابر، وأُسيء إليه في جميع العالم الإسلاميّ، ووضعت آلاف الأحاديث ضدّه أو ضدّ ما تفوّه به، وبُثَّتْ في ميادين الفكر، وتمكّن بعد مضي هذهِ السنوات الطوال من أن يُخرج نفسه من تحت ركام هذهِ الأوهام والخرافات ويقف بطوله الشامخ بوجه التاريخ.
هو جوهرة يُكتب لها البقاء دون أن يلوّثها أو يقلل من قيمتها الطين والشوك والأدران، فإنّك إذا رميت ماسة في الطين تبقى ماسة وستظهر نفسها.
فلا بدّ من استحصال مثل هذا الجوهر، وعلى كلّ مسلم أن يجعل هذا المشعل العظيم قدوته ويتّجه صوبه.
لم يدّعِ شخص أنّ بإمكانه العمل مثل عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، ولا ينبغي جدلاً أن يقال لهذا أو ذاك: لماذا لا تصنع نفس صنيع عليّ عليه السلام ؟ فقد تحدّثوا مع الإمام السجاد عليه السلام حول عبادة أمير المؤمنين عليه السلام فبكى

الإمام وقال: "من يقوى على عبادة عليّ بن أبي طالب عليه السلام ؟"14 نُقل ذلك عن الإمام السجاد زين العابدين عليه السلام وهو معصوم، أفهل يمكننا أن نكون مثل عليّ عليه السلام ؟
لم يستطع لحدّ الآن أيّ شخص من عظماء العالم، ولم يدّعِ ولم يتخيّل ولا خطر في ذهنه مثل هذا الاشتباه في أنّه سيتمكّن من القيام بنفس ما كان يقوم به أمير المؤمنين عليه السلام.
المهم أن يكون نهجنا نهج أمير المؤمنين عليه السلام ، فإنّ هذا الرجل العظيم بنفسه يقول في نهج البلاغة في كتاب له إلى عثمان بن حُنيف بعد أن بيَّن له وضعه وكيفيّة عيشه: "أَلاَ وَإِنَّكُمْ لاَ تَقْدِرُونَ عَلَى ذلِكَ"15.
كلّا، فهذا مقام لا يمكن نيله، إلّا أنّه أسوة، فليكن سعينا هو الاتّجاه نحو هذهِ الأسوة.
لا يمكن لأحد أن تكون له شجاعة عليّ عليه السلام ، فإنّ أقرب الناس إليه عليه السلام وهو عبد الله بن عباس، الّذي كان ابن عمه وتلميذه ورفيقه وأمين سرّه وكان مخلصاً ومحبّاً حقيقيّاً له عليه السلام وقد ارتكب غلطةً ولا أريد الدخول في تفاصيل ذلك لأنّ هذا الرجل العظيم كان عظيماً حقّاً وكان قد أخذ مقداراً من أموال بيت المال ظناً منه أنّه يستحقّه وذهب إلى مكّة، فكتب إليه أمير المؤمنين عليه السلام كتاباً يقشعرّ له الجلد، فأيّ رجل هو هذا وكم هو عظيم قال فيه: "فَاتَّقِ الله، وَارْدُدْ إِلَى هؤُلاَءِ الْقَوْمِ


أمَوَالَهُمْ، فإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ ثُمَّ أَمْكَنَنِي الله مِنْكَ لأُعْذِرَنَّ إِلَى الله فِيكَ، وَلأَضْرِبَنَّكَ بِسَيْفِي الَّذِي مَا ضَرَبْتُ بِهِ أَحَداً إِلاَّ دَخَلَ النَّارَ، وَالله لَوْ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فعَلاَ مِثْلَ الَّذِي فَعَلْتَ، مَا كَانَتْ لَهُمَا عِنْدِي هَوَادَةٌ، وَلاَ ظَفِرَا مِنِّي بَإِرَادَة، حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُمَا"16.
إنّ أمير المؤمنين عليه السلام يعلم أنّ الحسن والحسين عليهما السلام معصومان إلّا أنّه يقول: إذا حصل مثل هذا الأمر الّذي لا يمكن أن يحصل سوف لن أكون رحيماً بهما.
هذهِ شجاعة، وطبعاً من زاوية أخرى هي عدالة، ومن زاوية ثالثة احترام للقانون. توجد لذلك عناوين متعدّدة إلّا أنّها من هذه الزاوية شجاعة ومقدرة نفسيّة.
وهنا يتعيّن على شيعة عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، بل وحتّى المسلم المؤمن بأمير المؤمنين عليّ عليه السلام ، أن يستلهم العبر من شجاعة ذلك الإمام، فلا يستوحش من إعراض العدوّ ومن الإحساس بالغربة.
إنّ شجاعة عليّ بن أبي طالب عليه السلام وصموده أمام ذلك الباطل الّذي أرادوا إجباره عليه هو اليوم درسنا الكبير، بالشرح الّذي نقلناه حول تلك الشخصيّة العظيمة17.


أمير المؤمنين عليه السلام الشخصيّة التاريخيّة المحبوبة
إنّ أمير المؤمنين عليه السلام من الوجوه الجذّابة في التاريخ. وقلّما يجد المرء شخصيّة تاريخيّة عشقتها البشريّة وليس المسلمون وحدهم؛ كشخصيّة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام. فهناك الكثير من غير المسلمين الّذين لا يقرّون بالدين الإسلاميّ ولا بنبوّة الرسول الكريم" صلى الله عليه وآله وسلم ، يحبّون عليّاً عليه السلام ويحترمونه ويثنون عليه، ناهيك عن أنّ المسلمين وخاصّة الشيعة يكرّمونه ويعظّمونه في قلوبهم وأنفسهم وعقولهم.
يوجد بيننا نحن الشيعة وعامّة المسلمين أشخاص لا يعملون بأحكام الإسلام إلّا أنهم ينظرون إلى أمير المؤمنين عليه السلام بعين الإجلال؛ وسبب ذلك يعود طبعاً إلى الخصائص والصفات الإنسانيّة العليا الكثيرة الّتي كانت فيه.
فكلّ من سمع عن عليّ عليه السلام شيئاً فهو ينظر إلى تلك الخصائص بكلّ إكبار، باستثناء طائفة واحدة تعرف عليّاً ولكنّها تناصبه العداء، وتلك هي الطائفة الّتي تناهض المبادئ الّتي جاهد من أجلها هذا الإنسان العظيم وأنفق عمره من أجلها؛ فهي بطبيعة الحال تعادي جنديّها الأوّل، أو أولئك الّذين نالهم في تلك الأدوار الأولى سيفه البتّار وصلابته الّتي تأبى المساومة مع كلّ ما هو سيّئ وقبيح، وإلاّ فإنّ المنصفين والمجبولين على فطرتهم الإنسانيّة مغرمون بهذه الشخصيّة العظيمة.
وهذا ينطبق طبعاً على من سمعوا شيئاً عنه، أما الّذين لم يسمعوا عنه شيئاً فهم مستثنون من هذه القاعدة.


الاقتداء بالإمام عليّ عليه السلام عمليّاً
تجدر الإشارة هنا إلى نقطة أخرى وهي: إنّنا حينما ننظر من بعيد إلى الشخصيّات بما اجتمع فيها من خصائص إيجابيّة، فإنّنا غالباً ما نثني عليها, ولكنّنا عند الاقتراب منها، وعند معايشة قضايا التطبيق العمليّ والانقياد والولاء، نقع في المحذور.
وهذا واحد من عيوب أبناء البشر، ولو أنّ أهل الدنيا مالوا إلى مناصرة المظلوم الّذي تجسّد في شخصه، وهبّوا لمناصرة الحقيقة الّتي تمثّلت فيه، ونهضوا لمقارعة الظلم كنهضته، واقتربوا عمليّاً ولو خطوة واحدة نحو تلك الخصائص، على قدر تعاطفهم مع عدل وإنصاف وشجاعة أمير المؤمنين عليه السلام ، لأصبحت الدنيا روضة.
لكنّنا نحن بني الإنسان من أمثالي الّذين نثني على أمير المؤمنين عليه السلام إلى هذا الحدّ، ليس من المؤكّد أنّنا نثني في حياتنا اليوميّة وفي أحكامنا العاديّة على أحد الأعمال الّتي نثني عليها في شخصيّة أمير المؤمنين عليه السلام ، أو عند مشاهدة شخص يروم السير على نهج أمير المؤمنين عليه السلام ، وإنّما تضطرم عليه قلوبنا ونهبّ لمواجهته، وإذا غلبتنا الشقاوة لا سمح الله نشهر بوجهه السيف.
وهذا هو موطن الخلل.
ولهذا فمن المناسب الاطّلاع على التفاصيل الجزئيّة من خصائصه، بقدر الاطّلاع على الجوانب المستخلصة من خصاله؛ كأن نطّلع على كيفيّة


عدله، وكيف كانت عدالته الّتي نالت كلّ هذا الإطراء والثناء، وكيف كانت سيرته في الجانب العمليّ، ثم نحاول كخطوة لاحقة التقرّب منه في مجال الممارسة العمليّة. وهو أمر صحيح ويفضي إلى التكامل.
لابدّ وأنّكم سمعتم ما ورد في بعض الروايات18: أنّ أشخاصاً كانوا يأتون إلى الأئمّة عليه السلام ويقولون إنّنا شيعة لكم كما ورد في رواية أن بعضهم جاءوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام نفسه وقالوا له ذلك إلّا أنّ الأئمّة عليه السلام كما تفيد هذه الروايات كانوا يستنكرون ذلك منهم، ويقولون لهم: وأين وجه الشبه بينكم وبين شيعتنا وموالينا؟ فأنتم تتّصفون بمثل هذه الخصائص والصفات والأعمال.
وبعبارة أخرى إنّهم يطالبوننا بالعمل، والعمل يكون تابعاً للاعتقاد، وإنّ الإنسان يجب أن يكون لديه اعتقاد ما.
من الطبيعيّ أنّ الشعب الإيراني يجب أن يكون شاكراً لله تعالى على توفّر أجواء الاقتداء بأمير المؤمنين عليه السلام والالتزام بالإسلام في هذا البلد؛ فالغالبيّة العظمى من أبناء هذا الشعب تحدوهم رغبة قلبيّة للتوجّه صوب الحقيقة وإن كان يوجد بينهم حاليّاً أشخاص لا يعملون بالفروع بَيْدَ أنّ الأرواح والقلوب والمعتقدات تهفو صوب الاتّجاه الّذي يشير إليه أصبع أمير المؤمنين عليه السلام لهداية الناس.


رواية (الإرشاد) في مدح أمير المؤمنين عليه السلام
وقع اختياري على رواية وردت في كتاب (الإرشاد)19 للشيخ المفيد أودّ ذكرها هنا، إلّا أنّني نقلت نصّها من كتاب (الأربعون حديثاً - الحديث السابع والعشرون) لسماحة الإمام الخمينيّ قدس سره وهو كتاب في غاية الحسن والفائدة وطابقتها مع ما ورد في كتاب الإرشاد للشيخ المفيد.
يقول الراوي20: كنّا عند الإمام الصادق عليه السلام ، فجرى ذكر أمير المؤمنين ومدحه (الإمام الصادق عليه السلام ) بما هو أهله.
لقد نظرت في الرواية، فوجدت أنّ كلّ فقرة في هذه الرواية تشير إلى بُعد من أبعاد شخصيّة أمير المؤمنين عليه السلام ، كزهده، وعبادته، والأبعاد الأخرى الّتي سأقرأها الآن.
فيمتدح الإمام الصادق عليه السلام طبقاً للرواية أمير المؤمنين عليه السلام هكذا: "والله ما أكل عليّ بن أبي طالب عليه السلام من الدنيا حراماً قطّ حتّى مضى لسبيله"21 أي إنّه كان يتجنّب أكل الحرام، ويتّجنب المال الحرام، ويتجنّب المنال الحرام, والمراد طبعاً هو الحرام الحقيقيّ وليس الحرام المنجز حكمه بالنسبة له؛ أي إنّه كان يبتعد حتّى عمّا كان فيه شبهة, وقد وضعوا أمامنا هذه الأمور كتعاليم ومثالاً عمليّاً، والأهمّ

من ذلك كمثال فكريّ.
وأقرّ الإمام الصادق والإمام الباقر والإمام السجّاد عليه السلام بأنّهم لا يستطيعون العيش بالشكل الّذي عاشه الإمام عليّ عليه السلام ، فما بالك إذا وصل الدور لأناس من أمثالي؟
القضيّة لا تتعلّق بكيفيّة الحياة الّتي نريد أن نعيشها أنا أو أنت؛ فتلك الحياة هي قمّة الحياة والإمام عليه السلام يشير إلى تلك القمّة، وهذا يعني أنّ الجميع يجب أن يسيروا في هذا الاتجاه, ولكن من الّذي يستطيع بلوغ تلك القمّة؟ الإمام السجاد عليه السلام نفسه قال في هذا الحديث: إنه لا يستطيع العيش بتلك الصورة.
"وما عرض له أمران كلاهما لله رضاً إلّا أخذ بأشدّهما عليه في بدنه" فإذا عرض له نوعان من الطعام كان يختار أدناهما، وإذا عرض له نوعان من الثياب كان يختار أردأهما، وإذا عرض له عملان كلاهما حلال كان يختار أصعبهما عليه.
وهذا الكلام غير صادر عن متحدّث عادي، وإنّما المتحدّث هنا كما تشير الرواية هو الإمام الصادق عليه السلام ، أي إنّ كلامه في غاية الدقّة, إذاً من المهمّ جداً التشدّد على الذات في الحياة الدنيا ومتاعها ونعيمها.
"وما نزلت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نازلة قط إلّا دعاه ثقة به", أي أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم متى ما ألمّت به مُلمّة كان يستدعيه وينتدبه لها ويقدّمه فيها؛ وذلك أوّلاً: لعلمه بأنّه قادر على أدائها على أحسن وجه، وثانياً:


إنّه لم يكن يتمرّد على الأعمال العسيرة والمهام الشاقة، وثالثاً: كان على استعداد للجهاد والبذل في سبيل الله, ففي (ليلة المبيت)22 مثلاً حين هاجر رسول الله سرّاً من مكّة إلى المدينة، كان يجب أن يبيت أحد في سريره, وهناك قدّم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم علياً عليه السلام, وفي الحروب كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقدّمه أيضاً, وفي جميع القضايا الأساس والمهمّة الّتي كانت تعرض للرسول" صلى الله عليه وآله وسلم كان يقدّم لها عليّاً ثقة منه به.
والقضيّة هناك هي ليست مجرد ادّعاء يطلقه أشخاص حقراء وضعفاء من أمثالي، ونزعم أنّنا نريد العيش على هذه الشاكلة، وإنّما القضيّة هي أنّنا يجب أن نسير في هذا الاتجاه.
والإنسان المسلم السائر على نهج عليّ عليه السلام ، يجب أن يسير على هذا الخطّ، وأن يتقدّم إلى الأمام بأسرع ما يمكن.
ثمّ قال: "وما أطاق أحد عمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الأمّة غيره، وإن كان ليعمل عمل رجل كان وجهه بين الجنّة والنار", أي على الرغم من كلّ هذه الأعمال الإيمانيّة الكبرى كان سلوكه سلوك إنسان يعيش بين الخوف والرجاء؛ فهو كان يخشى الله وكأنّه متأرجح بين الجنّة والنار "يرجو ثواب هذه ويخاف عقاب هذه". وخلاصة هذا الكلام هي: أنّه على الرغم من كثرة جهاده وبذله وعبادته إلّا أنّه لم يغترّ بشيء من ذلك.


في حين إذا صلّى أحدنا ركعتي نافلة وقرأ بضعة جمل من الأدعية، وأراق دمعتين، يغتر بعمله الضئيل هذا ويتفاخر ويتصوّر نفسه وكأنّه أصبح (طاووس العلّيين), أمّا أمير المؤمنين عليه السلام فلم يغترّ بكثرة عمله الصالح.
أمّا لماذا يخاف أشخاص كالرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكأمير المؤمنين والسجّاد عليه السلام وهم الذين خلق الله الجنّة من أجلهم نار جهنم ويستعيذون بالله منها، فهو بحث آخر.
نحن أناس صغار وضعفاء وقصيرو النظر ولا ندرك عظمة الله، ومثلنا في ذلك كمثل طفل صغير يلعب أمام شخصيّة علميّة كبرى ويجيء ويذهب غير آبهٍ لوجود هذه الشخصيّة؛ وذلك لأنّه لا يعرف حقيقة هذه الشخصيّة, في حين تجد أنّ والد ذلك الطفل الّذي يفوق عقله عقل طفله مئة مرّة يتواضع لتلك الشخصيّة, وهكذا حالنا أمام الله تعالى؛ فنحن لا ندرك عظمته وكأنّنا أطفال أو كأنّنا أشخاص غافلون وأناس وضيعون.
أمّا الذين وصلوا من مرحلة العلم إلى مرحلة الإيمان، ومن مرحلة الإيمان إلى مرحلة الشهود، ومن مرحلة الشهود إلى مرحلة الفناء في الله، أولئك تتجلّى عظمة الله أمام أبصارهم بشكل تتضاءل أمامه قيمة كلّ عمل صالح يعملونه، ويشعرون على الدوام وكأنّهم لم يعملوا عملاً صالحاً، وأنّهم مدينون لله.
"ولقد أعتق من ماله ألف مملوك في طلب وجه الله والنجاة من

النار ممّا كدّ بيديه ورشح منه جبينه" أي إنّ الأموال الّتي أنفقها على عتق أولئك المماليك لم يحصل عليها بالمجّان، وإنّما حصل عليها بتعب يديه وعرق جبينه وبالعمل الشاق؛ سواء في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أم في فترة الخمس وعشرين سنة، أم في عهد خلافته، إذ يستدلّ من بعض الآثار والدلائل أنّه كان يعمل أيضاًً في زمن خلافته؛ فكان يحفر القنوات ويحيي الأراضي ويزرعها ويحصل على المال من هذا الطريق ثمّ ينفقه في سبيل الله، فكان يشتري العبيد ويعتقهم، وأعتق على هذا المنوال ألف عبد.
"وإن كان ليقوت أهله بالزيت والخل والعجوة"23.
أي إنّ طعامه العادي الّذي كان في داره هو الزيت والخل والتمر من الدرجة المتوسطة أو الرديئة، وكان طعامه يشبه الخبز واللبن أو الخبز والجبن في عرف مجتمعنا في الوقت الحاضر.
"وما كان لباسه إلّا الكرابيس24 ، إذا فضل شيء عن يده دعا بالجلم فقطعه".
أي إنّه لم يكن يرتضي لنفسه حتّى الزيادة في الأكمام، وإذا زاد القماش عن ذلك دعا بمقصٍ فقصّه؛ لكي يستخدم ذلك القماش في صناعة شيء آخر؛ لأنّ القماش كان قليلاً في ذلك العصر وكان الناس يواجهون مشكلة في الحصول عليه.


ثمّ تحدّث بعد ذلك عن عبادته, فقد كان عليه السلام قمّة الإسلام وأسوة للمسلمين, وجاء في هذه الرواية: "وما أشبهه من ولده ولا أهل بيته أحد أقرب شبهاً به في لباسه وفقهه من عليّ بن الحسين عليه السلام ". وذكر الإمام الصادق عليه السلام فصلاً في باب عبادة الإمام السجّاد عليه السلام ، وقال من جملة ما قال: "ولقد دخل أبو جعفر عليه السلام ابنه عليه فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد، فرآه قد اصفرّ لونه من السهر، ورمصت عيناه من البكاء، ودبرت جبهته، وانخزم أنفه من السجود، وورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة"؛ فتألّم الإمام الباقر عليه السلام لما شاهده من حال أبيه، فقال: "فلم أملك حتّى رأيته بتلك الحال (البكاء) فبكيت رحمة له".
وكان الإمام السجّاد عليه السلام متفكّراً والتفكّر عبادة فأدرك بالفراسة سبب بكاء ولده الباقر عليه السلام ، فأراد أن يقدّم له درساً، فرفع رأسه وقال: "يا بنيّ أعطني بعض تلك الصحف الّتي فيها عبادة عليّ بن أبي طالب".
ويبدو أن هناك كتابات ومدوّنات في باب قضاء أمير المؤمنين عليه السلام وحياته وأحاديثه كانت موجودة لدى الأئمّة عليه السلام ، ويستشفّ من مجموع الروايات الأخرى أنّهم كانوا يرجعون إليها ويستفيدون منها في مواقف شتّى.
يقول الإمام الباقر عليه السلام: "فأعطيته، فقرأ فيها شيئاً يسيراً ثم تركها من يده تضجّراً". فالإمـام السجاد عليه السلام يقدّم هـنا درساً للإمـام الباقر وللإمـام الصادق عليهما السلام ، ويقدّم درساً لي ولكم، "قال: من يقوى على عبادة عليّ بن أبي طالب عليه السلام ؟".


الإمام السجّاد عليه السلام كان يكثر من عبادة الله إلى الحدّ الّذي جعل الإمام الباقر عليه السلام يرقّ لحاله وليس مثلي ومثلكم فنحن نستعظم ما هو أقلّ من ذلك فالإمام الباقر عليه السلام هو نفسه إمام وله مقامات رفيعة، إلّا أنّه يتألّم لكثرة عبـادة عليّ بن الحسـين عليه السلام ولا يُطيق الصـبر على البكاء فيبكي لا إراديّاً, ومـع كلّ هذا نجد عليّ بن الحسين عليه السلام مع كلّ عبادته يقول: "من يقوى على عبادة عليّ بن أبـي طالـب؟"، أي إنّه كـان يرى بوناً شاسعـاً بيـنه وبين عليّ عليه السلام. "
حاجة البشريّة لصفات الإمام عليّ عليه السلام وخصاله
الإمام عليّ عليه السلام الّذي نعشقه أنا وأنت، وتعشقه الدنيا، ويكتب المسيحيّ كتاباً عنه انطلاقاً من عشقه له، ويثني عليه حتّى من لا يلتزم عمليّاً بأحكام الدين، لماذا تنظر له عن بعد؟ اقترب منه وانظر إليه عن كثب. كلّ من ينظر إلى قمّة (دماوند)25 عن بعد ينبهر بها, ولكن يجب عليه أن ينطلق ويجتاز المنعطفات والمسالك الوعرة ويقترب إليها.
البشريّة اليوم بحاجة إلى الخصال الّتي كان أمير المؤمنين عليه السلام رافع لوائها؛ لأنّها خصال لا تبلى بتقدّم العلم والتكنولوجيا، ولا تندثر بظهور أنماط جديدة من الحياة.


فالعدالة لا تُبلى، والإنصاف لا يبلى، والدعوة إلى الحقّ لا تبلى، ومقارعة الغطرسة والتجبّر لا تُبلى؛ وارتباط القلب بالله لا يبلى، لأنّ هذه الخصال ثابتة في فطرة الإنسان على امتداد التاريخ. وقد كان أمير المؤمنين عليه السلام رافعاً لواء هذه الخصال.
البشريّة اليوم متعطّشة لهذا الكلام ولهذه الحقائق, فما هو الحل إذاً؟ الحلّ يكمن في الاقتراب والدنوّ, فلا نستكثر كلمة حقّ قلناها أنا وأنت هنا أو هناك؛ لأنّ هذا نهج عليّ عليه السلام ، ولا نستكثر ساعة عَبَدنا الله بها في الليل أو النهار، ويداخلنا العُجب بأنفسنا؛ فعليّ عليه السلام كان كذلك، ولا نستعظم موقفاً تقحّمنا فيه المخاطر؛ فعليّ عليه السلام كان كذلك. عليكم بالاقتراب من خصال عليّ عليه السلام جهد المستطاع.

يا أيّها الصائمون، يا أيّها المصلّون، يا مصلّي النوافل، أيّها المجاهدون في سبيل الله، أيّها المتقحّمون المخاطر، أيّها الزهّاد في الدنيا، يا أسود النهار، وأيّها العبّاد في الليل، هنيئاً لكم، فأنتم أقرب إلى عليّ عليه السلام ، ويمكنكم أيضاً أن تكونوا أقرب فأقرب.
إذا كان العالم الإسلاميّ بل العالم كلّه يعترف لعليّ عليه السلام بالفضل فذلك يُعزى إلى ما كان يتّصف به من زهد وعبادة وشجاعة وحزم في سبيل الله؛ فمتى ما اقتضت الحاجة كان يهوي بسيفه على أعداء الحقيقة وأعداء الدين وأعداء الله بلا خوف أو وَجَل، ولا تأخذه في الله لومة لائم, فإذا ما وُجِدَ شخص منحرف ومضرّ ومخلّ، في طريق السير إلى الله،


كان لسيفه القول الفصل, ومتى ما كان هناك مظلوم ومسلوب الحقّ كان أمير المؤمنين عليه السلام يتحوّل إلى أرق إنسان وأعطف إنسان.
جاء في رواية أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان يكثر من إطعام الأيتام بِيَده إلى حدّ جعل أحد الأشخاص ولا بدّ أنه كان شاباً على سبيل المثال يقول: يا ليتنا كنّا أيتاماً حتّى يكون أمير المؤمنين عليه السلام رؤوفاً بنا إلى هذا الحدّ.
وكان مجهولاً لدى الفقراء والمساكين والمحتاجين ولم يعرفوه إلّا بعدما ضُرب، أنّه هو ذلك الشخص الرؤوف الّذي كان يغشاهم وهم لا يعرفونه.
أمّا كلامه في نهج البلاغة فهو أفصح كلام إنسان عند العرب, ونهج البلاغة ذروة في الفنّ والجمال؛ جمال اللفظ وجمال المعنى، ويبهر العقول, ولم يستطع أي شاعر عربي كبير أو كاتب أو أديب عربي أن يقول إنّه غنيّ عن الرجوع إلى نهج البلاغة.
وعلى كلّ حال، فقد فجع أهل الكوفة بالأمس بشهادته، ولم يشيّع جثمانه في الكوفة، ولم يجتمع الناس حول جثمانه.

ولعلّه كان يرى تسلّط الأعداء على الكوفة بعد ذلك بعشر سنين أو عشرين سنة, فما الّذي جرى في الكوفة؟ فالذين داروا ببناته في أسواق الكوفة، ورفعوا رأس فلذة كبده على رؤوس الرماح، ما كانوا يتورّعون عن نبش قبره والتنكيل برمسه؛ ولهذا السبب بقي قبره مخفيّاً ولم يعثر عليه إلّا بعد مضيّ مدّة طويلة26.


الإمام عليّ عليه السلام مظهر العدل الإلهيّ
إنّ لمفردة العدالة ومفهومها موقعاً متميّزاً في حياة أمير المؤمنين" عليه السلام وشخصيّته. وبالرغم من اجتماع العديد من الخصال فيه" عليه السلام ، إلّا أنّ من أبرزها وهي الّتي لازمته على الدوام العدالة الّتي تنطوي على مفاهيم متعدّدة, وتتشعّب إلى شعب شتّى, اجتمعت كلّها في وجود أمير المؤمنين عليه السلام ، فهو مظهر العدل الإلهيّ.
لقد اقتضى العدل الّذي نعتبره من أصول الدين أن يختار الله سبحانه شخصاً كأمير المؤمنين عليه السلام لإمامة الأمّة وقيادتها؛ وهذا ما فعله الباري جلّت قدرته؛ فوجود أمير المؤمنين عليه السلام وشخصيّته وتربيته وعظمته وبالتالي تنصيبه للخلافة كلّها مظهر للعدل الإلهيّ. ولقد تجسّدت العدالة بمعناها الإنسانيّ بأكمل صورها في كيانه عليه السلام.
العدالة في بُعدها الفرديّ عند الإمام عليّ عليه السلام
كان عليّ عليه السلام يجسّد العدالة الإنسانيّة ببعديها الفرديّ والاجتماعيّ؛ حيث تجلّت عدالة الإنسان في حدود حياته الفرديّة، وعدالته في مضمار الحكم والسلطة تلك الّتي نطلق عليها العدالة الاجتماعيّة في حياة أمير المؤمنين عليه السلام ، وعلينا أن نعرف ذلك بنيّة تطبيقه عمليّاً، لا سيّما بالنسبة لأولئك الذين يتحمّلون المسؤوليّات في المجتمع, ويتبوّؤون موقعاً في الحكومة، فلقد تمثّلت العدالة الفرديّة بأعلى درجاتها في شخصيّة أمير المؤمنين عليه السلام ، وذاك هو ما نعبّر عنه بالتقوى، تلك التقوى الّتي


كان عليه السلام يجسّدها في عمله السياسيّ والعسكريّ وفي توزيعه لبيت المال، وفي قضائه وجميع شؤونه؛ فالعدالة الفرديّة والذاتيّة للمرء تمثّل في واقع الأمر سنداً للعدالة الاجتماعيّة وصاحبة التأثير في العدالة على صعيد الحياة الاجتماعيّة.
ليس بمقدور من يفتقد للتقوى في ذاته وفي عمله، وهو رهين أهوائه النفسيّة وأسير للشيطان، الادّعاء بقدرته على تطبيق العدالة في المجتمع، فذلك محال؛ فمن أراد أن يكون مصدر إشعاع للعدالة في حياة الأمّة، فلا بدّ له والحال هذه أن يلتزم التقوى على صعيد نفسه أوّلاً؛ تلك التقوى الّتي أشرت لها في مستهلّ الخطبة، والّتي تعني المراقبة للحيلولة دون الوقوع في الخطأ.
وهذا لا يعني أنّ الإنسان لن يخطئ، كلّا, فلا مفرّ لغير المعصوم من ارتكاب الخطأ، وما هذه المراقبة إلّا صراط مستقيم, وسبيل للنجاة تنتشل الإنسان من الغرق وتمنحه القوّة. والّذي لا يمارس الرقابة على نفسه ويعاني من فقدان العدالة والتقوى على صعيد القول والفعل وحياته الشخصيّة لا قدرة له على أن يكون مصدراً للعدالة الاجتماعيّة في أوساط المجتمع.
لقد أعطى أمير المؤمنين عليه السلام درسه الخالد لكلّ الّذين يمارسون دوراً على الصعيد السياسيّ لمجتمعاتهم، حيث يقول عليه السلام: "مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ، وَلْيَكُنْ


تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ"27 ، إذ بإمكان اللسان النطق بكثير من الأشياء، أمّا ما يأخذ بِيَدِ الإنسانيّة لسلوك صراط الله فهو سيرة وأفعال من يقع عليه الاختيار ليكون إماماً للناس، سواء على مستوى المجتمع أم أدنى مستوى من ذلك. ثمّ يقول عليه السلام: "وَمُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَمُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالإجْلاَلِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ وَمُؤَدِّبِهِمْ"28.
هذا هو منطق أمير المؤمنين عليه السلام ودرسه؛ فالحكومة ليست ممارسة للسلطة وحسب، بل هي نفوذ في القلوب واستقرار في العقول، فمن كان في هذا الموقع أو وضع نفسه فيه عليه بادئ ذي بدء أن ينهمك دوماً بتهذيب نفسه وإرشادها ومحاسبتها ووعظها.
من المواصفات الّتي ذكرها أمير المؤمنين عليه السلام لمن يتمتّع بالأهليّة لإمارة الناس, أو تولّي مسؤوليّة قطاع من شؤونهم وهذا ما يبتدئ من زعامة البلد ويسري إلى ما هو أدنى من الدوائر والمؤسّسات، كما يصدق على القاضي أو المتصدّي لدائرة من دوائر هذا الجهاز الوسيع وكان عليه السلام يوصي ولاته وقادته به، نجده في قوله عليه السلام: "فَكَانَ أَوَّلَ عَدْلِهِ نَفْيُ الْهَوَى عَنْ نَفْسِهِ، يَصِفُ الْحَقَّ وَيَعْمَلُ بِهِ"29. من هنا يأتي التلازم بين السلطة والأخلاق في الإسلام، فالسلطة إنّما هي ظالمة غاصبة إذا ما خلت من الأخلاق.

العدالة في بُعدها الاجتماعيّ عند الإمام عليّ عليه السلام
ما تطرّقت إليه كان حول العدالة في إطار الشؤون الشخصيّة لعليّ بن أبي طالب عليه السلام.
أما عدالته عليه السلام على صعيد المجتمع، أي تطبيقه للعدالة الاجتماعيّة، فأمير المؤمنين عليه السلام يمثّل وصفة الإسلام الكاملة؛ إذ كانت حكومته إسلاميّة 100% وليست 99% أو 99.99%؛ فلم يخرج ما كان يصدر عن أمير المؤمنين عليه السلام وحدود صلاحياته وسلطته من تحرّك أو قرار عن صبغته الإسلاميّة؛ أي إنّه العدالة المطلقة، وربما حصل في بعض الولايات التابعة لحكومة أمير المؤمنين عليه السلام أن مورست أعمال تتنافى مع العدالة، بَيْدَ أنّه عليه السلام كمسؤول كان يشعر بتكليفه عندما يواجه مثل هذه الممارسات، فكانت كتبه وتحذيراته وخطبه وحروبه كلّها تصبّ في مجرى تطبيق هذه العدالة.
هذا هو تكليفنا، ولا أريد أن يتبادر إلى الأذهان الوهم بإمكانيّة أن يصل أمثالنا أو مَن هم أفضل منّا إلى مستوى أمير المؤمنين عليه السلام ، كلّا فهو عليه السلام المثل الأعلى والأنموذج الأصيل، فهو إنّما يُعدّ أنموذجاً من أجل أن يتحرّك الجميع باتّجاهه، وإلّا فإنّه عليه السلام لا يرتقي إليه التشبيه أو مقارنة أحد به؛ فأولئك العظام الذين اجتباهم الله تعالى ومنحهم العصمة، سواء كانوا من الأنبياء أم الأئمّة الأطهار عليه السلام ، هم نجوم تتلألأ في سماء المُلك والملكوت، وليسوا ممّن يستطيع

أمثالنا بما هم عليه من قدرات دانية وقابليّات متواضعة مضاهاتهم أو الوصول إليهم؛ إنّهم الهداة، والإنسان إنّما يتلمّس طريقه بواسطة النجوم30.
الخصائص والصفات الظاهريّة لشخصيّة الإمام علي عليه السلام
لو شئنا الاكتفاء بإيراد بضعة جمل بحقّ شخصيّة أمير المؤمنين عليه السلام وأعرضنا عن ذكر التفاصيل عن هذه الشخصيّة التاريخيّة الاستثنائيّة العظيمة وهي تفاصيل لا تستوفيها الكتب لقلنا: إنّ أمير المؤمنين" عليه السلام يدخل في عداد الشخصيّات المحبوبة اليوم وبالأمس، ليس بين الشيعة فحسب وإنّما بين المسلمين كافّة، بل وبين أحرار العالم قاطبة حتّى من غير المسلمين، وقلّما تجد شخصيّة كبرى حتّى بين الأنبياء عليه السلام الإلهيّين حظيت حتّى بين غير أتباعها ومريديها بمثل ما حظيت به شخصيّة أمير المؤمنين عليه السلام من الثناء والتمجيد.
لا شكّ في أنّ معرفتنا ضئيلة ورؤيتنا قاصرة، وإلّا فهو عليه السلام ذو شخصيّة معنويّة خارقة.
ونحن غير قادرين على استكناه كلّ أبعاد شخصيّته على الوجه الصحيح، وخاصّة الجوانب المعنويّة والإلهيّة منها، وهي جوانب يتعسّر فهمها حتّى على الكثير من أولياء الله.


بَيْدَ أنّ الأبعاد الظاهريّة لشخصيّته كان لها من الجاذبيّة والروعة ما جعلها تنال الإعجاب والحبّ, حتّى لدى من لا يفهمون القضايا والأبعاد المعنويّة للشخصيّات الإنسانيّة وأولياء الله.
كان أمير المؤمنين عليه السلام يتّصف في مختلف أدوار حياته؛ سواء في مقتبل شبابه؛ أي في أوائل بعثة الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ، أم في عنفوان شبابه؛ أي في الفترة الّتي وقعت فيها الهجرة إلى المدينة وكان حينها شاباً في العشرين ونيّف من العمر أم في مرحلة ما بعد رحلة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ؛ حينما واجه تلك الابتلاءات والمحن العسيرة، أم في السنوات الأخيرة من حياته، أي في السنوات الخمس الأخيرة من عمره حين أخذ بزمام الخلافة وتصدّى للمسؤوليّة، كان طوال هذه الخمسين سنة تقريباً، يتّصف بخصائص بارزة يمكن للجميع وخاصّة الشباب استقاء الدروس منها.
غالباً ما تحمل الشخصيّات التاريخيّة العظمى بعض الخصائص منذ شبابها، بل منذ صباها, أو أنّها تخلق تلك الخصائص في ذاتها.
إنّ بروز الناس الكبار والمرموقين يقوم عادة على جهود طويلة المدى، وهذا ما نراه في حياة أمير المؤمنين عليه السلام.
فأنا ألاحظ من خلال استشراف المسار العامّ لحياته المليئة بالمنعطفات أنّه كان يتحلّى منذ مطلع شبابه, وحتّى شهادته، بصفتين, هما: البصيرة والصبر (اليقظة والثبات)، فهو لم يقع ولا حتّى لحظة واحدة فريسة للغفلة, وسوء الفهم والانحراف الفكريّ, أو الخطأ في فهم الحقائق.

فمنذ أن خفقت راية الإسلام بِيَد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم انطلاقاً من غار حراء في جبل النور, وجرت على لسانه كلمة "لا إله إلّا الله"، وصدح مبشّراً بالنبوّة والرسالة، استطاع عليّ بن أبي طالب عليه السلام تشخيص هذه الحقيقة الوضّاءة وثبت على موقفه ذاك وألِفَ كلّ ما نجم عن ذلك الموقف من مشاكل وصعوبات؛ فإن تَطَلّب جهداً، بذل له جهده، وإن تَطَلّب حرباً حارب من أجله، وإن استلزم تضحية، وضع روحه على طبق الإخلاص ونزل إلى الميدان، وإذا استدعى عملاً سياسيّاً ونشاطاً إداريّاً وحكوميّاً، أدّاه خير أداء.
ولم يكن في معزل عن الوعي والبصيرة حتّى لحظة واحدة.
الصفة الثانية هي الصبر والثبات؛ فقد تمسّك وثبت على هذا الصراط المستقيم.
ولا شكّ في أنّ الصبر والثبات والجهد الّذي لا يعرف الكلل, وعدم مطاوعة الأهواء النفسيّة الّتي تميل بالمرء إلى التكاسل وترك العمل، تُعدّ صفات بالغة الأهميّة.
أجل، إنّ عصمة أمير المؤمنين عليه السلام غير قابلة للتقليد، وشخصيّته لا يمكن أن تقارن بها شخصيّة أخرى.
وكلّ شخصيّة عرفناها في بيئتنا, أو في تاريخنا، إذا أريد مقارنتها بشخصيّة أمير المؤمنين عليه السلام تكون كمقارنة ذرّة بالشمس إذ لا وجه للمقارنة بينهما بَيْدَ أنّ هاتين الصفتين اللتين كانتا في أمير


المؤمنين عليه السلام يمكن تقليدهما والاحتذاء بهما.
فلا يمكن لقائل أن يقول: إنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان يحمل صفتي الصبر والبصيرة انطلاقاً من كونه أمير المؤمنين.
فعلى الجميع السعي لاكتساب هاتين الصفتين والتقرّب بهما كلّ حسب همّته وكفاءته من أمير المؤمنين عليه السلام31.
العناصر الّتي اجتمعت في شخصيّة الإمام عليّ عليه السلام
إنّ ما أريد التحدّث به عن هذا الرجل الفذّ هو: أنّ شخصيّته وحياته وشهادته التأمت فيها ثلاثة عناصر, تبدو غير منسجمة تماماً مع بعضها على الظاهر؛ وتلك العناصر الثلاثة هي عبارة عن: القوّة، والمظلوميّة، والانتصار.
فقوّته تكمن في إرادته الصلبة وعزمه الراسخ، وفي تسيير دفّة الشؤون العسكريّة في أعقد المواقف، وفي هداية العقول نحو أسمى المفاهيم الإسلاميّة والإنسانيّة، وتربية وإعداد شخصيّات كبرى من قبيل مالك الأشتر وعمّار وابن عباس ومحمّد بن أبي بكر وغيرهم، وشقّ مسار مميّز في تاريخ الإنسانيّة.
ويتمثّل مظهر قوّته في اقتداره المنطقيّ, واقتداره في ميادين الفكر والسياسة، وفي اقتدار حكومته وشدّة ساعده.

ليس ثمّة ضعف في شخصيّة أمير المؤمنين عليه السلام, في أيّ جانب من جوانبها، إلّا أنّه في الوقت ذاته من أبرز الشخصيّات المظلومة في التاريخ، وقد كانت مظلوميّته في كلّ جوانب حياته؛ لقد ظُلم في أيام شبابه، حيث تعرّض للظلم حينذاك من بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وظُلم في سنوات كهولته وفي عهد خلافته واستشهد مظلوماً، وظل من بعد استشهاده يُسبّ على المنابر على مدى سنوات طوال، وتُنسب إليه شتّى الأكاذيب.
لدينا في تاريخنا الإسلاميّ شخصيتان أطلقت عليهما صفة ثار الله.
نحن لا توجد لدينا في اللغة الفارسيّة كلمة معادلة تماماً لكلمة "الثأر" في اللغة العربيّة؛ فعندما يُقتل شخص ظلماً فأسرته هي وليّ دمه، وهذا هو ما يسمّى بالثأر، ولأسرته حقّ المطالبة بثأره.
أمّا ما يسمّى بثار الله فهو تعبير قاصر وناقص لكلمة الثأر, ولا يوصل المعنى المطلوب.
فالثأر معناه حقّ المطالبة بالدم؛ فإذا كان لأسرة ما ثأر، فلها حقّ المطالبة به.
وورد في التاريخ الإسلاميّ اسما شخصيّتين، وليّ دمهما الله، وهو الّذي يطلب بثأرهما؛ أحدهما الإمام الحسين عليه السلام ، والآخر هو أبوه أمير المؤمنين عليه السلام: "يا ثار الله وابن ثاره"، أي أنّ الطالب بدم أبيه هو الله تعالى أيضاً.
أمّا العنصر الثالث الّذي طبع حياته عليه السلام فهو النصر؛ حيث تغلّب



في حياته على جميع التجارب العصيبة الّتي فرضت عليه؛ ولم تستطع جميع الجبهات الّتي فتحها ضدّه أعداؤه أن تنال منه, وإنّما تقهقرت كلّها أمامه.
ومن بعد استشهاده أخذت حقيقته الناصعة تتجلّى وتتفتح يوماً بعد آخر أكثر ممّا كانت عليه حتّى في أيام حياته.
ففي عالم اليوم، ليس العالم الإسلاميّ وحده وإنّما العالم كلّه، هناك أناس كثيرون لا يؤمنون حتّى بالإسلام، إلّا أنّهم يؤمنون بعليّ بن أبي طالب عليه السلام كشخصيّة تاريخيّة لامعة.
وهذا هو جلاء ذلك الجوهر الوهّاج، وكأنّ الله يكافئه على ما لَحق به من ظُلم.
فلا بدّ من أنّ لتلك المظلوميّة, ولذلك الكبت والضغط والتعتيم على ضوء الشمس، وتلك التهم الشنيعة، وما واجهها به من صبر، ثواباً عند الله، وثوابها هو أنّك لا تجد على مدى التاريخ شخصيّة على هذه الدرجة من الإشراق ونالت كلّ هذا الإجماع في القبول.
ولعلّ أفضل الكتب الّتي أُلّفتَ حتّى اليوم بحقّ أمير المؤمنين عليه السلام ، كان أكثرها ولهاً وحبّاً هي تلك الّتي كتبها أشخاص غير مسلمين.
وتحتفظ ذاكرتي حالياً بأسماء ثلاثة كتّاب مسيحيين كتبوا حول أمير المؤمنين عليه السلام كتباً جديرة بالثناء حقاً؛ وهذا الحبّ نشأ منذ اليوم الأوّل، أي من بعد استشهاده، حيث تكالب الجميع على الإساءة


إليه والانتقاص منه، من الطغمة الّتي كانت تحكم الشام ومَنْ كان يدور في فلكها، وممّن امتلأ غيظاً من سيف أمير المؤمنين عليه السلام ومن عدل أمير المؤمنين عليه السلام.
فكانت هذه القضيّة قد اتّضحت منذ ذلك الوقت، وأنا أذكر ها هنا مثالاً واحداً على ذلك:
انتقص ذات يوم ابن عبد الله بن عروة بن الزبير من أمير المؤمنين عليه السلام ، أمام أبيه عبد الله بن عروة بن الزبير.

وكان آل الزبير كلّهم ضد عليّ عليه السلام, إلّا واحداً منهم وهو مصعب بن الزبير الّذي كان رجلاً شجاعاً كريماً، وهو الّذي دخل لاحقاً في صراع مع المختار الثقفي في الكوفة، ومن بعده مع عبد الملك بن مروان، وهو زوج سكينة؛ أي إنّه أوّل صهر للحسين عليه السلام.
كان آل الزبير باستثنائه كلّهم خصوماً لأمير المؤمنين عليه السلام أباً عن جدّ.
وهذا ما يدركه الإنسان من خلال دراسته للتاريخ.
وبعدما سمع عبد الله ذلك الانتقاص على لسان ابنه قال جملة ليست حياديّة كثيراً، إلّا أنّها تنطوي على نقطة مهمّة، وهي: "والله يا بُنيّ، ما بنى الناس شيئاً قطّ إلّا هدّمه الدين، ولا بنى الدين شيئاً فاستطاعت الدنيا هدمه". أي إنّهم يحاولون عبثاً هدم اسم أمير المؤمنين عليه السلام القائم اسمه على أساس الدين والإيمان، "ألم ترَ إلى عليّ كيف تظهر بنو


مروان من عيبه وذمّه، والله لكأنّهم يأخذون بناصيته رفعاً إلى السماء. وترى ما يندبون به موتاهم من التأبين والمديح، والله لكأنّما يكشفون به عن الجيف"32.
لعلّ هذه الكلمة قيلت بعد حوالي ثلاثين سنة من شهادة أمير المؤمنين عليه السلام ، أي إنّ أمير المؤمنين عليه السلام وعلى الرغم من فداحة الظلم الّذي نزل به، أضحى هو المنتصر في حياته, وفي التاريخ, وفي ذاكرة الإنسانيّة.




هوامش
1- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج ‏1، ص 92، باب 20، تأكّد استحباب الجدّ والاجتهاد في العبادة.
2- وسائل الشيعة، ج1، باب 20: «من يقوى على عبادة علي بن أبي طالب عليه السلام ».
3- نهج البلاغة، كتاب: 45 من كتاب له عليه السلام إلى عثمان بن حنيف الأنصاري وهو عامله على البصرة.
4- إنّ النجاشي الشاعر شرب الخمر في شهر رمضان فحدّه أمير المؤمنين عليه السلام أقامه في سراويل فضربه ثمانين ثم زاده عشرين سوطاً وقال: هذا لجرأتك على ربّك وإفطارك في شهر رمضان فغضب ولحق بمعاوية - بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 33، ص 273.
5- وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج 28، ص 41.
6- كلمة الإمام الخامنئي دام ظله ، في تاريخ: 13/ رجب/ 1417ه.ق.
7- مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، ج 2، ص 38.
8- سورة الشعراء، الآية: 214.
9- بيعة الرضوان، أو بيعة الشجرة: في سنة سبع من الهجرة استنفر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه للعمرة فخرج معه ألف وثلاثمائة، أو ألف وستمائة، ومعه سبعون بدنة، وقال: لست أحمل السلاح، إنّما خرجت معتمراً. وأحرموا من ذي الحليفة، وساروا حتّى دنوا من الحديبية على تسعة أميال من مكّة، فبلغ الخبر أهل مكّة فراعهم، واستنفروا من أطاعهم من القبائل حولهم وقدّموا مائتي فارس عليهم خالد بن الوليد أو عكرمة بن أبي جهل، فاستعدّ لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: إنّ الله أمرني بالبيعة. فأقبل الناس يبايعونه على ألاّ يفرّوا، وقيل: بايعهم على الموت، وأرسلت قريش وفدا للمفاوضة، فلمّا رأوا ذلك تهيّبوا وصالحوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . المصدر: كتاب معالم المدرستين للسيد مرتضى العسكري، ج1، ص 155.
10- سورة الفتح، الآية: 18.
11- مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، ج 1، ص 288.
12- نهج البلاغة، الخطبة: 201.
13- نهج البلاغة، الخطبة: 15.
14- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج ‏1، ص 92، باب 20، تأكّد استحباب الجدّ والاجتهاد في العبادة.
15- نهج البلاغة، كتاب: 45.
16- نهج البلاغة، كتاب: 41.
17- كلمة الإمام الخامنئي دام ظله ، في تاريخ: 19/ رمضان/ 1416ه.ق.
18- بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 68، ص 192. كنز الفوائد، الكراجكي، ج1، ص 89.
19- كتاب الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، للشيخ المفيد (338 ـ 413ه) فيه تواريخ الأئمّة الطاهرين الاثني عشر عليهم السلام ومعجزاتهم وطرف من أخبارهم من ولاداتهم ووفياتهم ومدّة أعمارهم وعدّة من خواص أصحابهم وغير ذلك.
20- الإرشاد، الشيخ المفيد، ج 2، ص 141. باب 7 الحديث: 4.
21- وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج1، ص 91.
22- ليلة المبيت: هي الليلة الّتي بات فيها الإمام عليّ عليه السلام على فراش النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهي الليلة الّتي هاجر فيها النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة عندما حاصر المشركون بيته صلى الله عليه وآله وسلم وأرادوا قتله.
23- العجوة: ضرب من التمر، يقال هو ما غرسه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بيده. لسان العرب، ابن منظور، ج15، ص 31.
24- الكرابيس: جمع كرباس وهو القطن . م.ن، ج6، ص 195.
25- جبل دماوند يقع شمال إيران ووسط سلسلة جبال البرز، يبلغ ارتفاعه 5627 متراً ممّا جعله من أعلى القمم في غربي آسيا وأوروبا، ويتألّف جبل دماوند من سبعين فوهة بركانيّة وتنتشر على سفوحه قرى كثيرة متناثرة.
26- كلمة الإمام الخامنئي دام ظله ، في تاريخ: 22/ رمضان/1420ه ـ ق.
27- نهج البلاغة، الحكمة: 68.
28- م. k.
29- نهج البلاغة، الخطبة: 86.
30- كلمة الإمام الخامنئي دام ظله ، في تاريخ: 20/ ذي الحجة/ 1421ه.ق.
31- كلمة الإمام الخامنئي دام ظله ، في تاريخ: 13/ رجب/ 1419 ه.ق.
32- البيان والتبيين، الجاحظ، ج2، ص 173.









الكتاب: الإمام علي(ع)
نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://turaibel.mam9.com
 
قدوتنا الإمام عليّ عليه السلام
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات قرية الطريبيل :: الاقـسـام الاسـلامـيـة :: منتدى أهل البيت عليهم السلام :: منتدى الامام علي بن ابي طالب عليه السلام-
انتقل الى: