منتديات قرية الطريبيل

إسلامي - علمي - تربوي - ثقافي- مناسبات - منوعات
 
الرئيسيةالرئيسيةمكتبة الصوربحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الإمام جعفر الصادق (ع) وثورته الثقافية الإصلاحية

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الإدارة
عضو ذهبي ممتاز
عضو ذهبي ممتاز
avatar

الجنس : ذكر
عدد الرسائل : 6362
تاريخ التسجيل : 08/05/2008

مُساهمةموضوع: الإمام جعفر الصادق (ع) وثورته الثقافية الإصلاحية   الجمعة فبراير 01, 2013 5:47 am


الإمام جعفر الصادق (ع) وثورته الثقافية الإصلاحية

لِمَ لم يسع الإمام الصادق (عليه السلام) للحكم؟ : رفض الإمام الصادق (عليه السلام) العديد من العروض العسكرية لمواجهة السلطة القائمة في عصره، كعرض أبي مسلم الخراساني(1) وأبي سلمة الخلال مع كونه صاحب الحق الشرعي في الخلافة، كما ندين بذلك نحن المسلمين الشيعة، والمؤهل الحقيقي الأول، بين كل أهل عصره لنشر الدين وقيادة الأمّة.


وكان رفضه (عليه السلام) لتلك العروض متمشياً مع مبدأ التقية الذي يمارسه ويتعامل على أساسه مع الأنظمة السلطوية التي عاصرها ويدعو شيعته إلى ذلك: ( التقية ترس المؤمن ، والتقية حرز المؤمن ، ولا إيمان لمن لا تقية له )(2) وبلغ لديه من وضوح الرؤية في لزوم تبني التقية في حياته حدّاً كان يرفض معه حتى مجرد الحديث في الحكم . . . وقد اتضح في سياسته هذا الموقف من الحكم للجميع .
قال الشهرستاني في الملل والنحل: (ما تعرض للإمامة قط ولا نازع أحداً الخلافة) ، وربما دفع موقف الإمام (عليه السلام) هذا البعض منّا إلى التساؤل عن السبب الحقيقي الذي من أجله رفض الإمام تلك العروض وهو صاحب الحق الشرعي في الخلافة ، مؤثراً مسلك التقية في حياته السياسية والبعد عن الخوض بكل ما يتعلق في مسألة الحكم ، ربما فسّر موقفه الحاسم ذاك ومن ثم إشاحة وجهه عن تلك العروض ، بأنه جاء متمشياً مع زهده وورعه وحيطته لدينه التي عرف بها كسائر أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ، وأن الحكم ومقدمات الوصول إليه تزلّ الأقدام وتعرّض دين المرء للخطر(3).
في حين رأى البعض أن إعراضه وإشاحة وجهه عن العروض العسكرية لم يكن زهداً في السلطة والحكم ، وأن التقية التي أظهرها كانت تخفي وراءها عملاً عسكرياً منظماً في طريق الوصول إلى الحكم ولو على المدى البعيد .
كما يلوح ذلك من كلام بعض الكتاب: ( وللإمام وصية لمحمد بن النعمان الأحول في (تحف العقول) يؤكد له على العمل بخفاء والإلتزام بالتقية، حتى أن الأمر كاد أن يتمّ للإمام لولا إخلال بعض أصحابه بالسرية وإفشائهم عن ما لا يريد إفشاءه )(4).
واستدل هذا الفريق الأخير برأيه أو استأنس له بالأحرى ببعض الكلمات التي مرّت في روايات رويت عنه (عليه السلام) من مثل قوله : ( كونوا لنا دعاة صامتين ) وقوله في وصية للمعلى بن خنيس: (يا معلّى ، اكتم أمرنا ولا تذعه)(5).
وما جرى مجرى هذه العبائر التي رويت عنه (عليه السلام) , ولعلّ الأقرب بين هذين الرأيين ، أن يقال بصعوبة الإقتناع من جهة بأن زهد الإمام (عليه السلام) وورعه كانا هما بالفعل وراء إعراضه عن الحكم كما وأن تلك المرويات من جهة أخرى ، ومبدأ التقية الذي انتهجه الإمام الصادق (عليه السلام) في حياته لا يشكلان دليلاً على وجود عمل سري يديره الإمام هدفه الوصول إلى الحكم بالمعنى السياسي الذي نتصوره اليوم للعمل السري المنظم.
مناقشة ما ورد من آراء:
أما فيما يخص هذا الرأي الأخير، ففضلاً عن أنه يفترض لسلوك الإمام لوناً من التباين الشديد بين السر والعلن في الحياة السياسية ، نجد صعوبة في استساغته ، فليس ثمة دليل يساعد عليه، أمّا أدلة التقية فلأنها لا تفيد أكثر من دعوة الإمام أصحابه وشيعته إلى كتمان انتمائهم لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، المضطهد من قبل السلطة والنظام ، والتزام الحذر والتواري عن أنظارها ورقابتها الشديدة فراراً من فتكها وبطشها الذي لا يعرف الرحمة ولا يقف عند حدود .
واستفادة وجود حركة سرية منظمة من مجرد الدعوة إلى التقية وممارستها على الأرض ، تحميل مفهوم التقية فوق ما يحتمل قطعاً ، وبكلمة فإن التقية هي مجرد سلوك دفاعي وليست سلوكاً هجومياً.
وأما ما روي عن الإمام (عليه السلام) من بعض الكلمات والتعابير التي يحاول صاحب هذا الرأي أن يستدل بها أو يستأنس بها على وجود عمل تنظيم سري يقوده الإمام (عليه السلام) فكذلك هو الآخر قاصر جداً عن إثبات مدعاه ، فإن أقوال الإمام (عليه السلام) تلك إذا ما قيّمناها ووزنّاها هي ما بين نصيحة واعية تؤكد على أصحابه وشيعته كتمان هويتهم الحقيقية في الإنتماء لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) خوفاً عليهم من القتل والتنكيل ، كما ذكرنا مثل وصيته (عليه السلام) للمعلى بن خنيس : ( يا معلّى , اكتم أمرنا ولا تذعه لأحد ).
وعليه فلا تحمل في مدلولها أكثر ممّا تحمل أدلة التقية ، وبين موعظة تحثهم على التمسك بتعاليم أهل البيت (عليهم السلام) والتحلي بأخلاق الإسلام الفاضلة ليكونوا قدوةً حسنةً للآخرين فيصبحوا دعاة لمذهبهم الحق بأفعالهم وسلوكهم قبل أقوالهم وذلك مثل قوله (عليه السلام): ( كونوا لنا دعاة صامتين ) . أي أن مثل هذه الأقوال الواردة عن الإمام (عليه السلام) لا تنهض بالدلالة على وجود عمل سري منظم ، على أن هذا العمل السري الذي يفترض أن الإمام الصادق (عليه السلام) كان يقوده لا بد ـ فيما نقدر ـ أن تتسرب بعض الأخبار والشواهد عليه تسجله المصادر التاريخية ، ولم نعثر على شيء من ذلك .
فمثل الروايات المذكورة إذاً وانتهاج الإمام (عليه السلام) مبدأ التقية، ودعوة قاعدته المضطهدة إليها، لا دلالة فيها على الدعوى المذكورة.
وأمّا ما يخص الرأي الأول وصعوبة الاقتناع بأن زهد الإمام (عليه السلام) هو وراء إعراضه عن الحكم والمطالبة به ، فلأن الدين الإسلامي بطبيعته ليس ديناً منعزلاً عن الحياة وحركتها، بل إنما جاء الدين ونزلت الأحكام والتعاليم السماوية من أجلها وبهدف تنظيمها وإثرائها بالخير والجمال وإعمار الأرض وتحقيق السعادة للناس . والحكم إذا تسلمه إمام معصوم , وعصمة الإمام أمر مسلّم به لدى المسلمين الشيعة قامت عليه الأدلة القطعية عندهم، فلا معنى لأن تزل فيه قدم ويخشى منه الإمام (عليه السلام) ويتخوف على دينه، على أن الحكم قد قبله جده أمير المؤمنين(عليه السلام) وهو أزهد الناس وأعبدهم، وإراقة الدم في طريق الحق ونصرته إذا ضبط موضعها وكيف لا يضبطه معصوم، سوف تكون استجابة لدعوة إلى ذلك وتنفيذاً لحكم من أحكامه ، وتتحول جهاداً في سبيله، فتكون واحدة من العبادات المقرّبة إليه جلّ وعلا ، ومن أعظمها شأناً . . . وكم أريقت دماء في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد عهده على طريق نصرة الدين وإشادة صرحه والذود عنه ، نعم، تشخيص موردها لغير المعصوم عسير، ومن هنا خافها الفقهاء والعلماء وتهربوا من مسؤليتها وشاع عنهم : ( ما تحرز الإسلام في شيء كتحرزه في الدماء ) . ولكن هذا أمر آخر غير أصل المشروعة في حدودها المنضبطة وغير محل الكلام ، فإن الكلام في المعصوم ، بل لنا أن نفترض بأن مسؤولية الإمام الكبرى كمؤتمن على دين الله وإقامة حدوده ونشر أحكامه إنما تقتضيه السعي للتمسك بأزمّة الحكم وذلك تمهيداً لتطبيقها ونشرها وإسعاد البشر بها ، مهما تطلب ذلك من جهود وتضحيات ومهما كان الإمام (عليه السلام) زاهداً في الحكم وعالمه وبريقه . وإنما نكاد نجزم بأن طريق الحكم لو كان مفتوحاً أمام الإمام (عليه السلام) لسلكه بلا تردد ، لأنه في حد ذاته من أهم الوسائل التي مكن له من خلالها نصرة الدين وتثبيت أركانه ورفع لوائه فوق صرح الدولة وبثّ أحكامه وتعاليمه بين الناس ، وذلك غاية ما يتطلع إليه الإمام (عليه السلام) ويسعى له.
وبناء على هذا كله ، فلا تكاد تحصل لدينا قناعة بأن زهد الإمام (عليه السلام) وورعه هما بالذات كانا وراء إعراضه عن الحكم والسعي من أجل الوصول إليه ، وإذا ما وصف الإمام (عليه السلام) بأنه كان ورعاً زاهداً في الحكم وقرأنا ذلك عن علماء وكتّاب ، فإنا نؤمن من أعماق قلوبنا بهذا الكلام ونرتاح إليه ، ولكنّا نفهمه من زاوية أخرى هي اختلاف وجهة النظر لديه نحو الحكم عنها لدى الآخرين من طلاب الدنيا والساعين إلى مجدها الزائف . . . فحين لا يثني هؤلاء عن التنافس في طريق الحكم واللهاث المحموم من أجل الوصول إليه، دم يراق ومبادئ تسحق وأمّة تلتاع من الصراع الذي يحتدم عبره ، فإن الإمام الصادق (عليه السلام) يرفض أن يريق من أجله قطرة دم واحدة ظلماً وفي غير موضعها ولا يعنيه من الحكم وعالمه سوى ما يمكن أن يؤدي من خلاله المسؤولية الملقاة على عاتقه من خدمة دين الله ونصرة مبادئه وترويج أحكامه ورعاية مصالح الأمّة وبناء سعادتها.
فلو كان في السعي إلى الحكم ما يناقض هذه الرواية وهذه الأهداف ، كان فيه أزهد الزاهدين.
أسباب موقفه السلبي في مسألة الحكم:
وإذا انتهينا إلى أن إعراض الإمام (عليه السلام) عن الحكم لم يكن بسبب ما يتحلى به من ورع وزهد، فلنا أن نسأل عن تلك الأسباب الموضوعية التي جعلته يتخذ ذلك الموقف الحاسم من الحكم.
تتلخص هذه الأسباب بالأمور التالية:
الأول: قلة الأنصار الذين ينبغي توافرهم في الأمّة للنهوض بمشروع ثورة مسلحة محسوبة العواقب.
ونلمس في كلام للإمام (عليه السلام) مع أحد أصحابه وقد عرض عليه النهوض لكثرة ماله من شيعته وأنصاره حسبما كان يتصور، نلمس تذمراً وشكوى مريرة حيال هذا الواقع الذي كان سائداً في عصره وأنه لو كان لديه الحدّ الأدنى من الأنصار المبدئيين الذين يمكن الإتكال عليهم في هكذا مشروع كبير تحفُّه المخاطر الجسام، لما وسعه القعود وللزمه القيام والاضطلاع بالمسؤولية كإمام شرعي للمسلمين في السعي لتنفيذه وتحقيقه لصالح الدين وصالح الأمّة.
يقول (عليه السلام) مخاطباً أحد أصحابه واسمه سدير: ( . . . والله يا سدير لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ، ما وسعني القعود . . . )(6). فترى أن الإمام (عليه السلام) لم يزهد في الحكم ويسفّه الطلاب والساعين إليه أو يدينهم بل كشف عن أن الواجب يحتّم عليه (عليه السلام) إعلان الثورة وإرجاع الأمور إلى نصابا لو كان يتوافر مجرد الحدّ الأدنى من الأنصار المخلصين .
أما تلك العروض العسكرية فلم يكن بوسع الإمام (عليه السلام) الاتكال عليها ، لأن سوادها من الجند ليسوا تحت قيادته ، بغض النظر عن مدى وعيهم لأطروحة الإمام (عليه السلام) وإخلاصهم له عدا عن أن أصحاب العروض أنفسهم كانوا مشكوكي الولاء له (عليه السلام) حتى أنه أجاب أبا مسلم على عرضه بكلام يدينه في غاية الوضوح : ( ما أنت من رجالي ولا الزمان زماني ) .
وكذلك موقفه من أبي سلمه: ( ما أنا وأبو سلمه ، وأبو سلمة شيعة لغيري ) (7).
الثاني: الرقابة الشديدة التي كان حكّام عصره يحيطونه بها ، وتعقب أصحابه وشيعته بالتشريد والتنكيل والقتل ما يجعل التحرك لاستلام الحكم بالغ الصعوبة تحفّه أخطار ماحقة.
الثالث: تردّي وفساد الواقع الاجتماعي للأمّة ، حيث لم يعد المسلمون يتحلّون بروح الحماس وتوقد العزيمة وحب التضحية على ما كانوا عليه في صدر الإسلام ولم تعد الأخلاق الإسلامية بالمستوى الذي كان سائداً في ذلك العهد ، بل تسرب إليها الفتور والانحلال.
وكان انحراف الحكّام عقائدياً وسلوكياً من أهم الأسباب التي أدّت إلى ذلك، فالعامة تتأثر بحكّامها وأمرائها ، والناس على دين ملوكهم كما قالوا. وقد ساعد على الإنحدار إلى هذا الوضع الأليم ازدياد الأموال والثروات سيما لدى ذوي النفوذ من رجال الحكم والمخلصين عندهم ، وذلك إثر الفتوحات واتساع رقعة الدولة، مضافاً إلى تسرّب خليط من الثقافات والعادات الأجنبية إلى داخل المجتمعات الإسلامية.
وإذا وجد في الناس من وعى هذا الواقع الفاسد غير المشرّف الذي انجرّت إليه الأمّة، فهو إمّا في السجن أو مطارد , وفي هكذا جو يسود الأمّة نستطيع أن نقدّر بسهولة صعوبة توافر كتلة داخل المجتمع الإسلامي آنذاك تضمّ الحدّ الأدنى من الثوار المتحلّين بالوعي العقائدي اللازم والمتعاطفين مع هموم الأمّة وآلامها والتي يحتاجها الإمام (عليه السلام) لتنفيذ ذلك المشروع الواسع الخطير القاضي أولاً، بقلب نظام الحكم والطامح ثانياً ، إلى إدارة مرافق الدولة وقيادة عملية تغيير شاملة في الأمّة بحسب أحكام الإسلام وتعاليمه بشكل مخلص ونظيف عبر حركتها دون الوقوع بمفارقات ونكسات خطيرة تكلفه كثيراً.
الرابع: انشغال المساجد بهمّ كبير لا يقل خطورة عن همّ الحكم وانحراف السلطة وظلمها . كان يحتاج إلى التدخل السريع لمواجهته والتصدي له، وأعني به ذلك الإنحراف في الفكر والثقافة، الذي راح يتسلل إلى داخل الوسط العلمي والثقافي للأمّة وينمو ويتسع حتى بات يشكّل ظاهرة خطيرة، تحمل في موجتها طروحات ومفاهيم ومسالك منحرفة عن أطروحة الإسلام الأصلية وتصطدم معها وبشكل حاد أحياناً، إن من الناحية الفقهية التشريعية كالقياس والإستحسان ونحوهما وقبول ورفض بل وحتى وضع أو تزوير أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على أساس مواقف سياسية مسبقة . . . أو في الناحية الفكرية العقيدية كأوهام الغلاة وهلوسات المتصوفين وتشكيكات الزنادقة ومحاورات أهل الديانات الأخرى وطعون الملاحدة والماديين، التي ساعد على رواجها وقولبتها بالأساليب العلمية، ازدهار الترجمة عن باقي اللغات والإنفتاح على الثقافات المختلفة للشعوب الأخرى كالفارسية والهندية واليونانية ، ما جعل الإمام (عليه السلام) أمام تحدّ كبير يطال مكاسب الإسلام وكيانه العقيدي والعملي والثقافي من الأساس ويهدد مصير الأمّة ومستقبلها كله.
ثورته الثقافية:
هذه الأسباب مجتمعة هي التي حدت بالإمام (عليه السلام) وشكلت عنده القناعة الراسخة بضرورة صرف النظر تماماً عن مسألة الحكم وتوجيه كل الجهود والطاقات لتدارك ومعالجة الواقع المأساوي الصعب الزاخر بالتحديات الذي يواجه الأمّة ويتهدد مصيرها بالكامل .
وكان جهاده العلمي وثورته الثقافية التي انطلقت في الساحة الإسلامية لتجابه كل تلك البدع والإنحرافات التي أشرنا إليها، بسلاح العلم والمعرفة، ومعين لا ينضب من علم الكتاب والسنّة والمعارف العقلية الإنسانية المختلفة، وكانت مدرسته الرائدة التي اتخذت مركزا في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة المنورة وفتحت أبوابها للطلاب المسلمين يفدون إليها من كل حدب وصوب، وراحت تخرّج الآلاف من العلماء وتبثهم في طول البلاد وعرضها، يحملون إلى المجتمع الإسلام صنوف العلم والمعرفة ويتصدّون بثقة وجدارة لتلك التحديات وذاك اللغط والغزو الثقافي المشار إليه.
قول الجاحظ واصفاً علم الإمام قائد هذه الثورة: ( وفجر الإمام الصادق (عليه السلام) ينابيع العلم والحكمة في الأرض وفتح للناس أبواباً من العلم لم يعهدوا من قبل وقد ملأ الدنيا بعلمه )(Cool، وتفاعل الناس مع هذه الثورة التي أطلقها الإمام (عليه السلام).
يقول ابن حجر في (الصواعق): ( ونقل عنه الناس من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان ) (9) وامتدت هذه الثورة إلى جميع المناطق الإسلامية.
يقول سيد أمير علي: ( حتى أن حركته العلمية اتسعت اتساعاً هائلاً شملت جميع المناطق الإسلامية ) (10).
إلى جانب هذه الحركة العلمية والثقافية العارمة، كان (عليه السلام) يرعى باهتمام قواعده الشعبية ، فكان يعيش معها هموم الساحة السياسية والمعيشية بكل أبعادها ، يعاني من الحكّام ما يعاني الناس بل وأشد مما يعانون ، فقد كانت السلطة تحصي عليه الأنفاس وتكبس عليه الدار، المرة تلو الأخرى، وأنهت حياته (عليه السلام).
ومن ناحيتهم الإجتماعية والمعيشية كان (عليه السلام) يشرف على أوضاعهم بشكل مباشر ومستمر، يأمرهم بالصبر والإحتساب وبالتواد والتراحم والتواصل فيما بينهم، وكانت خطبه وجميل مواعظه وتعاليمه ووصاياه ومواقفه الكريمة، سرعان ما تنتقل إليهم وتطوف في مجتمعات المسلمين، وتدخل إلى بيوتهم فيتحدثون بها ويرددونها في سفرهم وحضرهم.
كما كان (عليه السلام) يستلم الحقوق المالية ويعيد صرفها على الخدمات العلمية والثقافية، وعلى سدّ عوز الفقراء والمستحقين وذلك عبر وكلائه المنتشرين في مختلف البلدان.
وبهذه السياسة الحكيمة وهذا الأسلوب الواعي البعيد النظر، الذي يأخذ في الحسبان كل ظروف ومعطيات المرحلة التي كان يمر بها الإسلام، قاد الإمام الصادق (عليه السلام) ثورته الإصلاحية الواسعة النطاق، فحفظ للأمّة هويتها وأصالتها وصانها من السقوط والتهاوي أمام الأخطار والتحديات التي اعترضتها في الطريق وأحاط بها من كل جانب، فتابعت الأمّة ببركة جهوده الجبارة مسيرتها عبر الزمان لتحمل أنقى أطروحة للإسلام هي أطروحة أهل البيت (عليهم السلام)، فكان ما أسداه لأمّته بهذه السياسة وهذا الأسلوب الفذ من الجهاد والثورة أعظم مما يمكن أن يؤديه في جهاد مسلّح يفتقد فيه أسباب النجاح ولا تؤمن معه العواقب الخطيرة التي ربما كان منها الإجهاز على أصل وجودها وهويتها.
مواقفه (عليه السلام) مع حكّام الجور:
ثم إن الإمام الصادق (عليه السلام) حين دعته قناعته الراسخة إلى النهوض بهذه الثورة الإصلاحية العارمة مترفعاً عن مسألة الحكم والخوض فيها، ما هادن الحكام في حياته قط، بل كان شديد الخصومة لهم، جريئاً في انتقادهم، دائم التعريض بهم، لا يتردد في صفعهم بلاذع كلامه ومواعظه كلما سمحت لذلك الفرص، ولا يخشى في ذلك العواقب ولا تأخذه في الله لومة لائم . . . .
مثلاً يستدعيه المنصور مرة: ـ والمنصور من ولغ في دماء رعيته سيما العلويين ـ ويجلسه إلى جانبه ويحادثه بكل إجلال واحترام، فوقع الذباب على وجه المنصور ولم يزل يقع على وجهه وأنفه حتى ضجر منه المنصور، قال: لم خلق الله الذباب يا أبا عبد الله ؟ فقال الصادق (عليه السلام): ( ليذل به أنف الجبابرة ) , فوجم المنصور وتغيّر لونه ولم يتكلم معه بما يسيء إليه كلمة واحدة (11). ويستدعيه مرة أخرى ـ على ما يروي الرواة ويعاتبه على قطيعة له ، وكان قد زار المدينة ولم يدخل عليه الإمام الصادق (عليه السلام) فيمن زاره من الوجوه والأشراف ـ فقال له: لم لا تغشانا كما يغشانا الناس ؟ فأجابه الإمام (عليه السلام): ( إن من يريد الدنيا لا ينصحك ، ومن يريد الآخرة لا يصحبك )(12).
وفي حين كانت هذه هي خطته وأسلوب تعاطيه مع الظالمين وحكّام الجور، فقد كان حريصاً (عليه السلام) في ذات الوقت أن يرسم لأصحابه والمسلمين المنتمين إلى أطروحته طريقاً يعبرون عبره من الظلم(13)، يكرّههم بالظالمين وأعوانهم ويحذّرهم من مهادنتهم والعمل في أجهزتهم والترافع إليهم في حلّ مشكلة أو قضية.
فمن وصاياه (عليه السلام) لهم: (أياكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور...) كما وحظر عليهم تقديم أي لون من ألوان العون لهم حتى فيما عُدّ في الظاهر من أعمال الخير والبر وخدمة الدين كبناء مسجداً(14), على ما ورد في بعض المرويات عنه (عليه السلام) لأن ذلك في نهاية الأمر يصبّ في دعمهم وتقوية سلطانهم وبسط نفوذهم ويلقي ستاراً من الضباب على صورتهم الحقيقية ، فيسهمون من حيث لا يريدون في ترسيخ استمرارية أنظمتهم المجافية لشريعة الله والقائمة على الكبت والقهر ودماء الأحرار وأنين الرعية.
وانسجاماً مع سياسته (عليه السلام) هذه في التصدي لظلم الحكّام وتثقيف الناس وتربيتهم على كراهيته والنفور منه، نفهم أولاً لماذا تعاطف(15) مع الثورات العلوية التي اندلعت في عصره كثورة زيد بن علي (رضوان الله عليه) مع أنها لم تكن بقيادته ولم تأخذ الإشارة منه.
ونفهم ثانياً لماذا كان يؤكد على أنصاره وشيعته ويرغبهم ويحبب إليهم زيارة قبر الإمام الحسين (عليه السلام) وإنشاد الشعر في رثائه وعقد المآتم لإحياء ذكره والبكاء عليه . . . إنه أراد بذلك كما هو توجّه أهل البيت (عليهم السلام) جميعاً في هذه المسألة ، أن يطبعوا شيعتهم على رفض الظلم والفساد ونصرة الحق والحرية والقيم من خلال ربط قلوبهم بالحسين (عليه السلام) الذي جسّد هذه المعاني بثورته واستشهاده في أصدق وأروع صورة.
وهكذا سجّل الإمام الصادق (عليه السلام) وهو يضطلع بثورته الإصلاحية المباركة، معرضاً عن الدخول في أي نزاع من أجل الحكم، سياسته الواضحة والحاسمة إزاء الظلم والحكّام الظالمين ناعياً على الإنسانية في كل عصر أنها لن تحظى يوماً بصفاء العيش وطعم السعادة، وهذا الشبح المرعب يعيش في مجتمعاتها(16).
ويمكن أن نجمل كل ما تقدم بأن الإمام الصادق (عليه السلام) كان معرضاً كلياً عن الخلافة والخوض في مسألة الحكم، لكن لا بسبب زهده المعروف عنه، فذلك لا ينسجم مع مبادئ الإسلام وأهدافه الداعية إلى بناء الحياة وإعمار الأرض وإقامة حدود الله وتطبيق شريعته، إذ لا يخفى أن الحكم من الوسائل الهامة التي يمكن من خلالها التمهيد لذلك الهدف الكبير، وإنما كان إعراضه الراسخ ذاك لأسباب موضوعية عديدة، كما وأنه في المقابل ما كان يرعى نشاطاً هدفه الوصول إلى الحكم بأسلوب التقية والعمل السري كما قد يلوح من كلمات بعض الكتّاب، فالتقية التي انتهجها ما كانت إلاّ لمجرد حفظ أطروحته والمنتمين إليها من سطوة الحكام وبطشهم، فقد كانوا يحقدون على أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لأن ضمائرهم كانت تقرّ بأنهم هم أصحاب الحق الشرعي في الخلافة، ولأن تياراً شعبياً واسعاً يأتم بهم فضلاً عن أنهم يحظون باحترام كل المسلمين.
وكان البديل لخصومه في مسألة الحكم اضطلاعه بثورة إصلاحية عارمة ذات اتجاهين علمي واجتماعي، جنّبت الأمّة مخاطر فادحة وصانتها من السقوط أمام تحديات عقيدية وثقافية وأخلاقية زاخرة اعترضت طريقها . على أن انهماكه في قيادة هذه الثورة الواسعة ما كان ليشغله عن مواجهة الحكّام والظالمين ، بل كان حرباً عواناً عليهم ، ولكن بأسلوب حكيم بعيد النظر، فوّت عليهم فرص الإنقضاض والإجهاز على أطروحته، ومنع من محاولاتهم لإلغائها ودمج كتلته الشعبية بأنظمتهم.
بهذه الثورة الإصلاحية الواسعة واستيعابه التام لمعطيات وظروف المرحلة التي عاشها (عليه السلام) ، أعدّ الإمام الصادق (عليه السلام) أطروحته الفذّة ، أطروحة أهل البيت (عليهم السلام) ليرسلها إلى الأجيال أصدق مشروع يجسّد الإسلام وأنقى مرآة تعكس أخلاقه وروعته.
الهوامش:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب أبو مسلم للإمام الصادق (عليه السلام) كتاباً جاء فيه: (إني أظهرت الكلمة ودعوت الناس عن موالاة بني أمية إلى موالاة أهل البيت (عليهم السلام) فإن رغبت فلا مزيد عليك.
(2) أصول الكافي ج2، باب التقية 221.
وعنه (عليه السلام) يوصي شيعته بالتقيةSad . .. كونوا لمن انقطعتم إليه زيناً ولا تكونوا عليه شيناً , صلوا في عشائرهم وعودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير فأنتم أولى به منهم ، والله ما عبد الله بشيء أحب إليه من الخبء )، قلت: وما الخبء؟ قالSad التقية ).
(3) كما أطبق العلماء وأرباب السير على علم الإمام الصادق (عليه السلام) كذلك أطبقوا على زهده وورعه وعظيم عبادته وذاع صيته في ذلك وتحدث عنه القاصي والداني، يقول مالك بن أنس: (عرفت جعفر بن محمد واختلفت إليه زماناً فما كنت أراه إلاّ على إحدى ثلاث خصال: أما مصل، وإما صائم، وإما يقرأ القرآن. وما رأت عين وما سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علماً وعبادة وورعاً). عن كتاب الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، أسد حيدر ص53، عن التهذيب إلى كلمة القرآن وما بعدها، عن المجالس السنية ج5، وعن كتاب الوشيعة والتوسل لإبن تيمية، ص25، ط2.
(4) أصول الكافي / الكليني / ج2 / ص223 ـ 224، دار الأضواء.
(5) هذه الفقرة واردة في رواية عنه (عليه السلام) تشتمل على فقرات أخرى مماثلة تؤكد على المعلّى أن يكتم إيمانه وانتماءه لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) ولا يذيعه خوفاً عليه من القتل. ولم تنجح نصيحة الإمام (عليه السلام) وقتل المعلّى بالفعل لعدم التزامه بالنصيحة / أصول الكافي / هامش 1 / ص224.
(6) (سيرة الأئمة الاثنى عشر) للسيد هاشم معروف الحسني (رحمه الله) / ج2 / ص244 / ط3.
(7) (الأئمة الاثني عشر / عادل الاديب / ص182، عن (الملل والنحل) / ج1/ ص241 / دار صعب / ص154.
(Cool عادل الأديب / الأئمة الاثني عشر / ص184 / عن مروج الذهب / ج3 / ص254 على نسخته.
(9) عادل الأديب / الأئمة الاثني عشر / ص172 / عن رسائل الجاحظ للسندوبي / ص106.
(10) الأديب / الأئمة الاثنى عشر / ص172 / عن الصواعق المحرقة لابن حجر.
(11) الأئمة الاثنى عشر/ الأديب / ص172 / عن تاريخ العرب / ص179.
(12) (سيرة الأئمة الاثنى عشر / للسيد هاشم معروف / ج2 / ص276 / عن حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني / بحار الأنوار للمجلسي، 48: 166 / ج6، عن علل الشرائع / ص496.
(13) سيرة الأئمة الاثنى عشر/ السيد هاشم معروف / ج2 / ص276.
(14) من أقواله (عليه السلام) ينفرّ المسلمين من الظلم: ( اتقوا الظلم، فإن دعوة المظلوم تصعد إلى السماء )، بحار الأنوار / ج90 / ص358/ عن مكارم الأخلاق: ( إياكم أن تعينوا على مسلم مظلوم فيدعو عليكم فيستجاب له فيكم فإن أبانا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول (إن دعوة المسلم المظلوم مستجابة) وليعن بعضكم بعضاً، فإن أبانا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول (معونة المسلم خير وأعظم من صيام شهر...).
(15) الوسائل / ج17 / ط1 مؤسسة أهل البيت لإحياء التراث / ص180.
(16) عنه (عليه السلام): ( ثلاثة تكدر العيش: السلطان الجائر، و... وثلاثة لا يصلح العالم بدونها: الأمن والعدل والخصب ) سيرة الأئمة الاثنا عشر / السيد هاشم معروف / ج2 / ص300.










الشيخ عبد الحسين آل صادق
منقول من موقع شبكة الحسنين عليهما السلام
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://turaibel.mam9.com
 
الإمام جعفر الصادق (ع) وثورته الثقافية الإصلاحية
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات قرية الطريبيل :: الاقـسـام الاسـلامـيـة :: منتدى أهل البيت عليهم السلام :: منتدى الامام جعفر الصادق عليه السلام-
انتقل الى: