منتديات قرية الطريبيل

إسلامي - علمي - تربوي - ثقافي- مناسبات - منوعات
 
الرئيسيةالرئيسيةمكتبة الصوربحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حق الناس بعضهم على بعض

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الإدارة
عضو ذهبي ممتاز
عضو ذهبي ممتاز
avatar

الجنس : ذكر
عدد الرسائل : 6362
تاريخ التسجيل : 08/05/2008

مُساهمةموضوع: حق الناس بعضهم على بعض    الجمعة فبراير 01, 2013 5:52 am



حق الناس بعضهم على بعض


الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله وحبيبه وصفيه محمد وآله الطاهرين.
مجال بحثنا لهذه الليلة هو إحدى خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، والتي تبين حقوق الناس بعضهم على بعض، وقد ألقاها الإمام في صفين وبدأها بهذه العبارة:
أما بعد فقد جعل الله سبحانه لي عليكم حقاً بولاية أمركم، ولكم عليّ من الحق مثل الذي عليكم[5]
الأولى، هي أن "الحق أوسع الأشياء في التواصف وأضيقها في التناصف" فالحق كلمة سهلة في النطق رحبة في الوصف، ولكنه مشكلة في التطبيق والعمل. الحق ميدان فسيح لمن يريد أن يتحدث عنه بياناً وخطابة ومقالة، ولكنه عند العمل أو التسليم له والإذعان إليه ضيق جداً بل من أضيق الميادين وقد نبه الإمام على ذلك في تأكيده على العمل بالحق لا الاكتفاء بالقول، واعتبر ملاك الحق هو العمل به لا الحديث عنه.
النقطة الأخرى: "هي أن الحق لا يجري لأحد إلا جرى عليه ولا يجري عليه إلا جرى له" أي أن لكلٍ حق وعلى كلٍ حق، فمن له حق لابد، وأن يكون عليه حق مثل الذي له. هناك تبادل في الحقوق بين الناس، وفي مقابل كل حق هناك واجب متعين، فللفرد على المجتمع حقوق وللمجتمع على الفرد حقوق.
قال رسول الله (ص): "ملعون من ألقى كله على الناس".
إن للوالد حق على ولده، وفي مقابل ذلك هناك حق للولد على والده، فاللوالد الطاعة والاحترام، وللولد الكفالة والرعاية والتربية.
كذلك الزوج والزوجة، المعلم والتلميذ، الجيران فيما بينهم، الحاكم والرعية والمسافر ورفيقه في السفر.
وهذه الحقوق المتبادلة لا تنحصر بين الناس وحدهم بل تشمل دائرة أوسع فحيث يمتد شعاع استفادة الإنسان كحق يمتد معه شعاع الواجب.
يقول أمير المؤمنين في خطبة أوائل خلافته: "اتقوا الله في عباده وبلاده فإنكم مسؤولون حتى عن البقاء والبهائم[6]"
إن دائرة الواجب تمتد وتتسع لتشمل العباد والبلاد والبهائم وبقاع الأرض، فكل شيء موجود هو للإنسان بشرط أن يستفيد منه الفائدة الصحيحة. قال تعالى: (ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش) [الأعراف: 9].
فحق الأرض في زراعتها وعمارتها وأن لا تبقى خراباً أو بواراً، وحق الحيوان في رعايته والمحافظة عليه.
ثم يقول الإمام (ع): "ولو كان لأحد أن يجري له ولا يجري عليه لكان ذلك خالصاً لله سبحانه" ذلك أن قانون الحقوق المتبادلة أو الحق والواجب إنما يصدق على مخلوقات الله، أما الله سبحانه وتعالى فهو الغني المطلق والفيض المطلق وهو الذي وضع قانون الخلق لكي يطوي مساره نحو الكمال المنشود.
إن الذات الإلهية المقدسة منزهة عن ذلك، فكل ما أفاض الله به على عباده هو تفضل منه ورحمة وإحسان وجود، ولذا فإن نفحة الوجود في هذا العالم إنما هي دَين للذات المقدسة، وبالتالي فهي مجرد مسؤولية في أعناق الخلق (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) [الأنبياء: 23].
ثم يقول (ع) مشيراً إلى الحقوق المتبادلة بين الحاكم والرعية: وأعظم ما افترض ـ سبحانه ـ من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية وحق الرعية على الوالي فريضة فرضها الله ـ سبحانه ـ لكل على كل، فجعلها نظاماً لألفتهم وعزاً لدينهم، فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية.
ثم يتحدث عن نفسه قائلاً: فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ ولا آمن من فعلي.
وقد استنتج من ذلك أصد المؤخرين المعاصرين في بحث حكومة الإمام علي قائلاً: إن حديث الإمام يدل دلالة واضحة على أن حل المشكلات لا يتطلب فقط خليفة عادلاً فطناً وإدراياً ناجحاً فحسب بل يتطلب أيضاً مجتمعاً متيقظاً مدركاً لحقوقه وواجباته محباً للخير طالباً للعدالة.
يقول أمير المؤمنين نفسه في كتاب إلى أحد عماله:
"أما بعد، فإن حقاً على الوالي ألاّ يغيره على رعيته فضل ناله ولا طول خص به. وأن يزيده ما قسم الله له من نعمة دنواً من عباده وعطفاً على إخوانه. ألا وإن لكم عندي ألا أحتجز دونكم سراً إلا في حرب، وأطوي دونكم أمراً إلا في حكم، ولا أؤخر لكم حقاً عن محله ولا أقف به دون منقطعة وأن تكونوا عندي في الحق سواء[7].
وفي مناسبة أخرى يشير الإمام إلى هذا الموضوع قائلاً: "وليس امرؤ وإن عظمت في الحق منزلته وتقدمت في الدين فضيلته بفوق أن يعاون على ما حمله الله من حقه ولا امرؤ وإن صغرته النفوس واقتحمته العيون بدون أن يعين على ذلك أو يعاون عليه[8]"
كل يحتاج الآخر مهما كان شأنه صغيراً أو كبيراً، يقول الله سبحانه: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) [سورة المائدة، الآية: 2].
إن أحاديث أمير المؤمنين (ع) وخطبه لتزخر بالإشارة والتأكيد على الاتحاد والتعاون، ذلك أن البعض من الناس يرى نفسه فوق أن يتعاون مع الآخرين أو يعاونه الآخرون، غير آبهين بما للفرد كائناً من يكون دوره المؤثر فكراً وعملاً، غافلين أو متغافلين عن أن الإسلام يؤكد ويوصي بالمشورة، خاصة في ميدان العمل الاجتماعي. قال تعالى: (والذين استجابوا لربهم واقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) [الشورى: 35]. ويخاطب القرآن الرسول الأكرم في قوله تعالى: (فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر) [آل عمران: 159]. فبالرغم من كونه رسولاً من قبل الله وان الناس لا يتوقعون منه أن يطلب منهم رأياً أو مشورة أو مشاركة، ولكنه كان يفعل ذلك لكي يربي في المجتمع قوة الشخصية ويجعل له احتراماً وأهمية، لتبقى بعده سنةً متبعة؛ وإن غزو الأحزاب وما أشار به سلمان الفارسي في حفر الخندق حول المدينة شاهد على ذلك.
ثم يتحدث الإمام عن جانب التعاون في إقامة الحق قائلاً: "من واجب حقوق الله على عباده النصحية بمبلغ جهدهم والتعاون على إقامة الحق بينهم، وليس امرؤ ـ وإن عظمت في الحق منزلته وتقدمت في الدين فضيلته ـ بفوق أن يعاني على ما حمّله الله من حقه، ولا أمر ـ وإن صغرته النفوس واقتحمته العيون ـ بدون أن يعين على ذلك أو يعاون عليه".
وعند هذا المقطع من خطابه ينهض أحد أصحابه ويثني عليه بحديث طويل ويذكر طاعته للإمام، بعدها يستأنف الإمام خطبته حول الموضوع، وسأكتفي بالإشارة إلى نقطة واحدة عن الحق أيضاً وهي مكملة لما بدأناه من بحث، حيث يعرب الإمام (ع) عن استعداده لسماع كل انتقاد أو اقتراح فيه صلاح بعيداً عن روح المجاملة أو التهيب قائلاً:
"ولا تخالطوني بالمصانعة ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي، ولا التماس إعظام لنفسي فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه[9]"
وقد ذكر الإمام ذلك رداً على موقف ذلك الرجل الذي امتدحه واثنى عليه: "وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم أني أحب الإطراء واستماع الثناء، ولست بحمد الله ـ كذلك".
وعلى اساس هذه الروح في معاملة الرعية اعتبر البعض حكومة الإمام علي واحدة من أرقى أشكال الديمقراطية في الإدارة والحكم، ذلك أن الإمام وبالرغم من سلطته الزمنية والروحية كان يحث الناس على الانتقاد ويشجعهم على الاعتراض. والاعتراض الذي يريده الإمام ذلك الذي ينطلق من أساس الحق بشرطيه، الأول: حسن النية أي أن لا يكون وراء الاعتراض مصلحة شخصية كطمع في مال، بل الإصلاح. الثاني: حسن التشخيص، أي يكون الاعتراض مبنياً على اساس من الإدراك والتشخيص الصحيح، بعيداً عن الانقادات الجاهلة المدمرة.
فالاعتراض الذي ينطلق من حسن النية والتشخيص الصحيح سيكون له الأثر البالغ في الإصلاح، أما الانتقاد الذي يأتي على أساس من سوء النوايا أو عدم إدراك مصلحة المجتمع العليا فإنه بمثابة وضع العصي في العجلات، وسيؤدي إلى الفوضى والقضاء على النظام.
وخلاصة البحث اربع نقاط اشار إليها الإمام (ع) أكرر عرضها مرة أخرى:
الأولى: إن الحق سهل في النطق والحديث، صعب في التطبيق والتنفيذ، وإن ملاكه في العمل لا في القول.
الثانية: إن الله جعل الحقوق بين الناس متبادلة ومتكافئة فلا تجري لأحد دون الآخر ولا تجري على أحد دون غيره. وإن الله وحده الذي له دَين في عنق الناس دون أن يكون للناس حق على الله.
الثالثة: إن الحقوق لا تقام إلا بالتعاون والمساعدة، وان لا يرى البعض نفسه فوق أن يعين أو يعان في ذلك.
الرابعة: إن علامة أهل الحق هي الإصغاء لكل انتقاد أو اعتراض إذا كان ذلك منطلقاً من حسن النية وقائماً على تشخيص صحيح، وان المقياس الأول والأخير في معرفة أهل الحق هو استعدادهم لاستماع النصح.
كان هذا حديثاً حول بعض المقتطفات من كلام أمير المؤمنين (ع) إمام الحق والعدالة.
---------------------------
[5] نهج البلاغة، خطبة: 216.
[6] نهج البلاغة، خطبة: 176.
[7] نهج البلاغة، كتاب 50.
[8] نهج البلاغة، خطبة: 216.
[9] نهج البلاغة، خطبة: 216.





المواعظ والحكم
تأليف
الشيخ مرتضى مطهري

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://turaibel.mam9.com
 
حق الناس بعضهم على بعض
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات قرية الطريبيل :: الاقـسـام الاسـلامـيـة :: منتدى الإسلامي-
انتقل الى: