منتديات قرية الطريبيل
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

منتديات قرية الطريبيل

إسلامي - علمي - تربوي - ثقافي- مناسبات - منوعات
 
الرئيسيةالرئيسيةالتسجيلدخول

 

 شرح خطبة السيّدة زينب (عليها السّلام) في الكوفة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الإدارة
عضو ذهبي ممتاز
عضو ذهبي ممتاز
الإدارة


الجنس : ذكر
عدد الرسائل : 6362
تاريخ التسجيل : 08/05/2008

شرح خطبة السيّدة زينب (عليها السّلام) في الكوفة  Empty
مُساهمةموضوع: شرح خطبة السيّدة زينب (عليها السّلام) في الكوفة    شرح خطبة السيّدة زينب (عليها السّلام) في الكوفة  Emptyالأربعاء مارس 13, 2013 10:25 am

شرح خطبة السيّدة زينب (عليها السّلام) في الكوفة
قبل أن أبدأ بشرح بعض كلمات الخطبة أجلب انتباه القارئ الذكي إلى بعض ما يرويه الراوي لهذه الخطبة ، وهو قوله : فلم أرَ خفرة ـ والله ـ أنطق منها .

يُقال : خفرت الجارية ، إذا استحت أشدّ الحياء ، فهي خفرة . ومن الطبيعي أنّ المرأة الخفرة يمنعها حياؤها من أن ترفع صوتها ، أو تخطب في مكان مزدحم ، فمن الواضح أنّها إذا لم تمارس الخطابة لا تقوى على النطق والتكلم كما ينبغي ، ولكنّ راوي هذه الخطبة يقول : (فلم أرَ خفرة ـ والله ـ أنطق منه) أي : لم أرَ أقوى منها على التكلّم ، وأقدر على الخطابة ، رغم كونها شديدة الحياء .



كأنّها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب .

إنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) هو إمام الخطباء والبلغاء والمتكلّمين ، وقد كان له اُسلوب خاص ومستوى رفيع في كلامه وخطبه يمتاز عن كلام غيره ، وفي أعلى قمّة الفصاحة والبلاغة ، وجودة التعبير ، وعلو المستوى الأدبي والعلمي .

فمن ناحية : كان يسترسل في كلام دون أيّ توقّف أو شرود ذهني ، وكان ينطق بالحروف دون أيّ تلكّؤ في التلفّظ ؛ فقد كان في غاية التمكّن من الكلام والخطابة .

ومن ناحية اُخرى : كانت الكلمات الأدبيّة الرفيعة منقادة له بشكل عجيب ، فهي تنبع من لسانه نبعاً طبيعيّاً دون أيّ تكلّف ، أو تحضير مسبق ، وكان لصوته نبرة معينة .

وراوي هذه الخطبة كان ممّن رأى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وسمع كلامه ، وها هو الآن يستمع إلى كلام السيّدة زينب (عليها السّلام) ، وبالمقارنة بين الكلامين يظهر له أنّ خطبة السيّدة زينب صورة طبق الأصل لكلام أبيها من ناحية الاُسلوب والبيان والمستوى وغير ذلك .



وقد أومات إلى الناس أن اسكتوا ، فارتدّت الأنفاس وسكنت الأجراس .

في ذلك المجتمع المتدفّق بالسيل البشري ، وفي ذلك الجوّ المملوء بالهتافات والأصوات المرتفعة من الناس ، وأصوات الأجراس المعلّقة في أعناق الإبل .

في بلدة انتشر في جميع طرقها الآلاف من الشرطة ؛ كي يخنقوا كلّ صوت يرتفع ضدّ السلطة ، ويراقبوا حركات الناس وسكناتهم بكلّ دقة ، ويقضوا على كلّ انتفاضة متوقّعة .

في هذه الظروف وصل موكب آل رسول الله إلى الكوفة ، محاطاً بالحرس عملاء بني اُميّة ، وشرّ طبقات البشر ، وأرجس جميع الاُمم .

في تلك الأجواء والظروف أشارت السيّدة زينب الكبرى (عليها السّلام) إلى الناس أن اسكتوا . فتصرّفت في الإنسان والحيوان والجماد . احتبست الأنفاس في صدور الناس , ووقفت الإبل وسكنت عن الحركة , وسكنت الأجراس المعلّقة فوق الإبل .

نعم , بإشارة واحدة , وبتلك الروح القويّة , والنفس المطمئنة استولت على الموقف .

فقالت :



الحمد لله , والصلاة على أبي محمّد وآله الطيّبين الأخيار .

افتتحت كلامها بحمد الله , ثمّ الصلاة على أبيها رسول الله (صلّى الله عليه واله) ، وهذا منتهى البلاغة ؛ فإنّها بهذا الافتتاح عرّفت نفسها لتلك الجماهير المتجمهرة بأنها بنت رسول الله , فالحفيدة تعتبر بنتاً , كما إنّ الجدّ يعتبر أباً ؛ ولهذا قالت : الصلاة على أبي محمّد (صلّى الله عليه واله) .

وممّا يستفاد من هذا التعبير هو التأكيد على مسألة مهمّة جدّاً ، وهي مسألة بنوّة أولاد السيّدة فاطمة لرسول الله (صلّى الله عليه واله) ، كما هو صريح آية المباهلة في قوله تعالى : ( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَبْنَاءَكُمْ ... )(1) .

وقد كان أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) يؤكّدون على هذه النقطة ، كما أنّ أعداءهم النواصب كانوا يحاولون دائماً التشكيك والمناقشة فيها ، وقد ذكرنا كلمة موجزة حول هذه النقطة في كتابنا ( فاطمة الزهراء (عليها السّلام) من المهد إلى اللّحد ) .

ـــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران / 61 .

--------------
أما بعد يا أهل الكوفة ، يا أهل الختل والغدر .

الختل : الغدر(1) ، وقال البعض : هو الخدعة عن غفلة(2) . وفي نسخة : ( والختر ) : وهو شبه الغدر(3) ، لكنّه أقبح أنواع الغدر(4) .

لقد كانت لهذه الكلمات أشدّ الأثر في نفوس أهل الكوفة ، فإنّها قد أوجدت فيهم اليقظة والوعي بصورة عجيبة حتّى شعروا أنّ ضمائرهم بدأت تؤنّبهم ، وأنّ وجدانهم صار يوبّخهم على جرائمهم الفجيعة ، وجناياتهم العظيمة .

فقد ذكّرتهم كلمات السيّدة زينب (عليها السّلام) بماضيهم المخزي تاريخهم الأسود ؛ حيث صدر منهم الغدر مرّات عديدة ، فمنها :

1 ـ في يوم صفين عند تحكيم الحكمين ، غدر أهل الكوفة بالإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام)

ـــــــــــــــــــ
(1) الخاتل : الغادر . (أقرب الموارد) للشرتوني .
(2) المعجم الوسيط . وقال ابن عباد في ( المحيط ) : الختل : الخدعة عن غفلة .
(3) كتاب ( العين ) للخليل بن أحمد .
(4) كما في كتاب ( القاموس ) للفيروز آبادي .

----------------------
الذي كان الحقّ يتجسّد فيه بأكمل وجه ، وخذلوه بتلك الكيفيّة المؤلمة .

2 ـ وحينما قُتل الإمام أمير المؤمنين تهافت أهل الكوفة على مبايعة ابنه الإمام الحسن المجتبى (عليه السّلام) . وعندما خرج معاوية لحرب الإمام الحسن خذله أهل الكوفة ، وقعدوا عن نصرته غدراً منهم ، فخلا الجوّ لمعاوية وفعل ما فعل ، وضرب الرقم القياسي في الجريمة واللؤم .

3 ـ وبعد موت معاوية أرسل أهل الكوفة اثني عشر ألف رسالة إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) أيّام إقامته في مكّة يطلبون منه التوجّه إلى العراق ؛ لينقذهم من الاستعمار الاُموي الغاشم . وضمّنوا رسائلهم الأيمان المغلّظة ، والعهود المؤكّدة لنصرة الإمام ، والدفاع عنه بأموالهم وأنفسهم .

فبعث إليهم سفيره مسلم بن عقيل ، فبايعه الآلاف من أهل الكوفة ، ثمّ تفرّقوا عنه وغدروا به ، وفسحوا المجال للدعيّ ابن الدعيّ عبيد الله بن زياد أن يلقي القبض على مسلم بن عقيل ويقتله . واجتمع أطفال الكوفة وشدّوا حبلاً برجل مسلم ، وجعلوا يسحبون جثمانه الطاهر في أسواق الكوفة بمرأى من الناس .



4 ـ وحينما لبّى الإمام الحسين (عليه السّلام) رسائل أهل الكوفة وجاء إلى العراق ، ووصل إلى أرض كربلاء ، ومعه عائلته والصفوة الطيبة من رجال أهل بيته ، خرج أهل الكوفة وقتلوا جميع مَنْ كان مع الإمام .

وأخيراً قتلوا الإمام الحسين عطشان ، وبتلك الكيفيّة المقرحة للقلوب ، ثمّ أحرقوا خيام الإمام ، وأسروا عائلته ونساءه وأطفاله ، وقطعوا الرؤوس من الأبدان ورفعوها على رؤوس الرماح ، وجاؤوا بها من كربلاء إلى الكوفة .

هذا هو الملف الأسود المليء بالغدر والخيانة .

فحينما نظرت السيّدة زينب (عليها السّلام) إلى دموع أهل الكوفة ، وسمعت أصوات بكائهم لم تنخدع بهذه المظاهر الجوفاء ، بل وجّهت خطابها إلى جميع الحاضرين هناك ، ولعلها كانت تقصد بكلامها الذين اشتركوا في جريمة فاجعة كربلاء بشكل أو بآخر ، ولم تقصد كلّ مَنْ كان حاضراً وسامعاً لخطابها .

أتبكون ؟!

اعتبرت السيّدة زينب (عليها السّلام) بكاءهم لدى المقايسة مع ما قاموا به من الجرائم نوعاً من النفاق والتلوّن المشين ؛ فإنّ رجالهم الذين باشروا الجريمة ، وهي مجزرة كربلاء الدامية ، ونساءهم هنَّ اللواتي قمن بتربية



اُولئك الرجال على الغدر ، وهاهم يبكون .

يبكون وهم يشاهدون تلك الرؤوس المقدّسة على رؤوس الرماح ، ويشاهدون حفيدات الرسالة وبنات الإمامة على النياق بتلك الحالة المقرحة للقلوب .

من الطبيعي أن يبكي كلّ مَنْ يشاهد هذه المشاهد ، ولكن ما هي فائدة هذا البكاء ؟

ولماذا عدم القيام بتغيير أنفسهم ؟

لماذا عدم بناء نفوسهم ونفسياتهم ؟

لماذا عدم الهجوم على مَنْ أصدر الأوامر ، وهو الطاغية ابن زياد وحاشيته الفاسدة ؟

إنّ الحاكم الطاغي لا يستطيع الظلم والتعدي إلاّ مع وجود الأرضيّة المساعدة ، والأجواء الملائمة للظلم والطغيان . والناس بنفاقهم وخذلانهم لآل الرسول الكريم هم الذين مهّدوا للظالمين القيام بتلك الفاجعة المروعة .

وهذا درس لكلّ مجتمع يؤمن بالله واليوم الآخر ، ويريد أن يعيش في ظلّ حكومة عادلة .



فلا رقأت الدمعة ، ولا هدأت الرنّة .

رقأت الدمعة : سكنت(1) أو انقطعت بعد جريانها وجفّت . الرنّة : الصوت الحزين عند البكاء .

لمّا رأت السيّدة زينب (عليها السّلام) ذلك البكاء الذي كلّه نفاق دعت عليهم ، ومن ذلك القلب الملتهب بالمصائب والأحزان ، دعت أن تمرّ عليهم ظروف وأحوال تجعل بكاءهم متواصلاً ، ودموعهم مستمرة في الجريان ، لا تهدأ ولا تنقطع ، ولا تهدأ رنّتهم ، أي بكاءهم المصحوب بالنحيب والعويل ، بعد أن قاموا بتلك الأعمال الإجراميّة .

وهنا نقطة مهمّة يجب أن لا نغفل عنها ، وهي : رغم أنّ في أغلب المجتمعات يوجد الأخيار والأشرار ، والطيّبون وغيرهم ، ومدينة الكوفة كانت كذلك إلاّ أنّ الطابع العام عليهم في ذلك اليوم كان هو التلوّن كلّ يوم بلون ، والغدر ، وقلّة الالتزام بالأسس الدينيّة .

من هنا ، فإذا جاءهم حاكم طاغٍ وعرف منهم هذه الطبائع والصفات المذمومة يسهل عليه التسلّط عليهم ، واتّخذاهم مساعدين وأعواناً له في تحقيق أهدافه الإجراميّة الفاسدة .

ـــــــــــــــــــ
(1) كتاب الصحاح ـ للجوهري .

-----------------------
وهم أيضاً يتسارعون إلى التجاوب والتعاطف معه ، غير مبالين بنتائج ذلك .

وعلاج هذا المجتمع هو التكلّم معهم بكلّ صراحة ، وبالكلام اللاذع ، فالملف الأسود لأهل الكوفة كان يقتضي أن تواجههم السيّدة زينب (عليها السّلام) بهذه الشدّة ، وبأعلى درجات التوبيخ والشجب والمؤاخذة إزاء ما اقترفوه من جرائم متتالية ، كلّ واحدة منها تهتزّ منها الجبال .

نعم ، لم يكن ينفع معهم يومذاك إلاّ هذا الاُسلوب من الكلام اللاذع ، فلم تعد النصائح والمواعظ تؤثر فيهم .

والسيّدة زينب ـ بملاحظة أنّها امرأة(1) ، وأنّها بنت الإمام أمير المؤمنين (ع) ـ كانت لها القدرة على التعنيف في الكلام مع الناس ، ولامتلاكها القدرة العظيمة على البيان والخطابة ، فقد كانت مؤهّلة للقيام بهذا الدور الكبير ، لإيقاظ بعض تلك الضمائر الميّتة من سباتها العميق .

ـــــــــــــــــــ
(1) لا يسمح بمؤاخذتها ولا يمكن للمجرمين قتلها بسهولة ؛ لوجود صيانة خاصة لكلّ امرأة في العرب . المحقّق .

---------------------
ولا نعلم بالضبط كيفية إلقائها للخطبة من ناحية درجة الحماس والحرارة ، ولكنّنا نعلم أنّها ورثت الخطابة من جدّها رسول الله (ص) إمام الفصاحة ، ومن والدها إمام نهج البلاغة .

إنّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً .

شبهت السيّدة زينب أهل الكوفة بالمرأة التي نقضت غزلها ، وهذا التشبه مستقى من القرآن الكريم ، ويا له من مستوى رفيع في البلاغة والأدب الراقي ! وإليك بعض التوضيح :

قال الله تعالى في القرآن الكريم : ( وَلاَ تَكُونُوا كَالّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوّةٍ أَنكَاثاً تَتّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ )(1) .

وقد جاء في كتب تفسير القرآن الكريم أنّ امرأةً حمقاء من قريش ، تسمّى بـ ( ريطة بنت عمرو بن كعب )(2) كانت تغزل

ـــــــــــــــــــ
(1) سورة النحل / 92 .
(2) ولعل اسمها : زيطة ؛ لكي يتطابق الاسم مع المسمى . المحقّق .






مع جواريها الصوف والشعر من الصباح إلى نصف النهار ، وتصنع بذلك خيوطاً جاهزة للنسيج ، ثم تأمرهنَّ أن ينقضنَ ما غزلنَ طوال هذا الوقت ، ولا يزال دأبها ذلك(1) .

من بعد قوّة

أي كانت تنكث غزلها من بعد إحكام وإتقان واستحكام وفتل للغزل في المرة الأولى ، وكأنّها تريد أن تصنع من ذلك الغزل أقمشة . فبعد النكث والنقض كان يفقد الصوف معظم قوّته .

أنكاثاً

جمع نكث ، وهو الصوف والشعر يُبرم ويُعمل منه الخيوط ثمّ يُنكث : أي ينقض ويُفل ليغزل مرّةً ثانية . وقد شبّه الله تعالى ناقض العهد بتلك المرأة التي نقضت غزلها من بعد قوّة وإتقان .

تتّخذون أيمانكم دخلاً بينكم

أيمان : جمع يمين ، وهو القَسَم والحَلف . الدخل : المكر والخيانة . أي كانوا يحلفون بالوفاء بالعهد ، ويضمرون في أنفسهم الخيانة . وكان الناس يطمئنون إلى عهدهم ،

ـــــــــــــــــــ
(1) ( والجنون فنون ) . المحقّق .

--------------------
لكنّ اُولئك كانوا ينقضون العهد .

وبعد هذا التمهيد نقول : لقد شبّهت السيّدة زينب (عليها السّلام) أهل الكوفة بتلك المرأة الحمقاء ، من ناحية عدم الوفاء بعهودهم ونقضهم لها ؛ بسبب صفة الغدر المتجذّرة في نفسيّاتهم اللئيمة ، البعيدة عن الإنسانية وعن التفكير في نتائج الاُمور ومضاعفاتها .

ألا وهل فيكم إلاّ الصلف النطف

الصلف : صلف الرجل : تمدّح بما ليس عنده ؛ إعجاباً بنفسه وتكبراً(1) . ويُقال : أصلفتُ الرجلَ إذا أبغضته ومقتّه ، ويُعبّر عن البخيل أيضاً بهذه الكلمة(2) .

هذا ما ذكره علماء اللغة ، ولكنّ الذي يتبادر إلى الذهن من كلمة الصلف هو الوَقِح ، ولا مانع من تفسير الكلمة بهذا المعنى ؛ فبكاؤهم بعد ارتكابهم تلك الجرائم يدلّ على شدّة وقاحتهم وقلّة حيائهم .

ـــــــــــــــــــ
(1) كما في كتاب ( أقرب الموارد ) للشرتوني .
(2) كما في كتاب ( المحيط في اللغة ) للصاحب بن عباد .

---------------------
النطِف : المتلطّخ بالعيب(1) .

والصدر الشنِف

الشنف : شدّة البغض(2) . والشنف : المبغض(3) ، والمعنى : الصدر الذي يحتوي على شدّة البغض والعداء لأهل البيت (عليهم السّلام) .

ملق الإماء

الملق (بفتح اللام) : الودّ واللُطف ، وأن تُعطي باللسان ما ليس في القلب والفعل(4) .

والمعنى : أنّكم مجتمع للصفات الرذيلة ، ففيكم حالة التملّق والتذلّل لمَنْ لا يستحق ذلك من الحكّام الخونة ، أمثال : يزيد وابن زياد اللئيمين وحاشيتهما القذرة . فكما أنّ الإماء ـ جمع أمة ، وهي العبدة ـ يتملّقنَ إلى المالك لجلب مودّته ، ويُعطينه باللسان من الودّ

ـــــــــــــــــــ
(1) كما في كتاب ( العين ) للخليل بن أحمد الفراهيدي ، و( الصحاح ) للجوهري .
(2) كتاب ( العين ) للخليل بن أحمد ، والمحيط في اللغة لابن عباد .
(3) المنجد في اللغة .
(4) القاموس المحيط ـ للفيروز آبادي .

--------------------
والمشاعر ما ليس في قلوبهنَّ ، بل يفكرنَ في مصالحهنَّ حتّى لو استوجب ذلك لهنَّ التذلّل والتملّق والخضوع لمَنْ ليس أهلاً لذلك . أنتم يا أهل الكوفة كذلك تتملّقون إلى حكّامكم من منطلق المصالح لا الإخلاص والوفاء .

وغمز الأعداء

الغمز : الإشارة بالجفن والحاجب(1) ، ولعل السيّدة زينب (عليها السّلام) تقصد من هذه الكلمة : أنّكم يا أهل الكوفة انتم غمز الأعداء ، أي إنّ الأعداء ـ وهم ابن زياد وحاشيته ـ ينظرون إليكم من جانب عيونهم غمزاً ، ويتعاملون معكم بمنتهى التحقير والإذلال ، فلا كرامة لكم عندهم ، بل يريدونكم عبيداً وخدماً وجسوراً للوصول إلى أهدافهم من دون أن يكنّوا إليكم أيّة محبّة أو تقدير أو احترام .

فيعتبر هذا الكلام من السيّدة زينب تنبيهاً لأهل الكوفة على مدى فقدان عزّة النفس لديهم ، حيث جعلوا أنفسهم أدوات طيّعة وذليلة بيد أفراد لؤماء ، وهم ناسين للكرامة التي أرادها الله تعالى للبشر .

إنّنا نرى في زماننا هذا أنّ الموظّفين المتكبرين

ـــــــــــــــــــ
(1) كتاب ( العين ) للخليل بن أحمد .

---------------------

لا يرفعون رؤوسهم ليستمعوا إلى ما يقوله المراجع لهم ، بل ينظرون إليه بجانب عيونهم تحقيراً وإذلالاً له ، وهكذا كانت نظرة الحكّام إلى أعوانهم والمتعاطفين معهم .

ثمّ ذكرت السيّدة زينب (عليها السّلام) مثالاً آخر لبيان حقيقة أهل الكوفة والكشف عن واقعهم ، وأنّ ظاهرهم يختلف تماماً عن باطنهم ، وأنّ ما يقولونه بألسنتهم يختلف عن نفسيّاتهم ، فشبّهتهم بالأعشاب التي تنبت وتنمو في أماكن وسخة وغير صحية .

فقالت (عليها السّلام) : أو كمرعى على دمنة

المرعى : محلّ العشب الذي يسرح فيه القطيع . الدمنة : المحل الذي تتراكم فيه أرواث الحيوانات وأبوالها ، وتختلط مع التراب في مرابضهم ، فتتلبّد وتتماسك الأوساخ المتكوّنة من الروث والبول والتراب . ثمّ بسبب الرطوبة الموجودة ينبت هناك نبات أخضر جميل المنظر واللون ، ولكنّ الجذور نابتة في مكان وسخ مليء بالجراثيم والميكروبات(1) .

ـــــــــــــــــــ
(1) ذكر هذا المعنى في أكثر كتب اللغة بعبارات مختلفة والمضمون واحد ، ونحن ذكرنا ذلك بتعبيرنا . ( المحقّق ) .

----------------
كذلك أهل الكوفة كان لهم ظاهر حسن ، وكانت لهم حضارة عريقة ، لكنّ باطنهم وواقعهم كان قبيحاً ، يشتمل على الخبث والغدر ، والخيانة والكذب والنفاق ، والجرأة على الله تعالى ، وسحق القِيَم والمفاهيم ، وعدم التخلّق بالفضائل ، والتي من أبرزها ؛ الوفاء بالعهد ، وترجيح الدين على كلّ شيء .

هذا ، ونعود لنذكّر مرّةً اُخرى أنّه كان في الكوفة جمع غفير من المؤمنين الأخيار الطيّبين ، لكنّ الأشرار بتعاونهم مع الحكم الفاسد كانوا قد شكّلوا هذه الواجهة القبيحة ، وكوّنوا هذه السمعة السيئة لجميع أهل البلد .

ثمّ ذكرت السيّدة زينب (عليها السّلام) مثالاً آخر فقالت : وكفضّة على ملحودة

اللّحد : القبر . الملحودة : الجثّة الموضوعة في القبر . إذا وضعت علامة مصنوعة من الفضة على قبر رجل منحرف دينيّاً ، فسوف يكون ظاهر القبر جميلاً ، لكنّ الجثة التي في داخل القبر جيفةً متعفّنة . كذلك أهل الكوفة كانوا أهل التمدّن والحضارة والثقافة ، لكنّهم في



الباطن كانوا بمنزلة الجيفة ؛ حيث تجمّعت فيهم المساوئ الأخلاقيّة ، كنقض العهد والغدر والخيانة وغيرها ، فكوّنت لهم سوء الملف والسوابق المخزيّة .

وفي نسخة : كقصّة على ملحودة

والقصة : هي : الجص ، وهي البودرة والتراب المطبوخ الذي يخلط مع الماء فيصير طيناً أبيض اللون ، ويوضع ذلك الطين ما بين الطابوق ، ويكون سبباً لتماسك أجزاء البناء(1) .

فما فائدة ذلك القبر الذي يجصص ليكون جميل الظاهر ، لكنّه يتضمّن جثماناً نتناً لرجل خبيث أو امرأة منحرفة ؟!

وقد يستفاد من بعض كتب التاريخ أنّ المتفرّجين والمستمعين لخطاب السيّدة زينب (عليها السّلام) انقسموا إلى ثلاثة أقسام :

1 ـ قوات الشرطة التابعين لابن زياد .

2 ـ المحايدين .

3 ـ الأفراد الذين تفاعلوا مع كلمات خطبة السيّدة زينب (عليها السّلام)

ـــــــــــــــــــ
(1) قال الخليل في كتاب ( العين ) القصّة : لغة في الجص . وجاء في القاموس المحيط : القصة : الجصة .

-------------------

وتأثّروا بكلامها ، وبدؤوا يبكون .

كيف لا وهم يسمعون صوتاً يشبه صوت الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) من ابنته الشجاعة ؟!

ولعلّها كانت تخطب في ساحة كبيرة من ساحات مدينة الكوفة ، حيث كانت تستوعب أكبر قدر ممكن من الجماهير المستمعين والمتفرّجات الذين وقفوا على جانبي الطريق ، أو على سطوح دورهم ينظرون ويستمعون .

ألا ساء ما قدّمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون

هذه الجملة مقتبسة من قوله تعالى : ( تَرَى‏ كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلّوْنَ الّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ )(1) .

والمعنى : بئس ما قدّموا من العمل لمعادهم في الآخرة ، أن سخط الله عليهم . والمعنى هنا : يا أهل الكوفة ، إنّ أعمالكم قد أوجبت عليكم غضب الله وسخطه ، والبقاء الدائم في نار جهنّم .

ـــــــــــــــــــ
(1) سورة المائدة / 80 .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أتبكون وتنتحبون ؟!

الانتحاب : رفع الصوت بالبكاء الشديد .

إي والله ، فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً

إشارة إلى قوله تعالى : ( فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً ً)(1) . والمعنى : فليضحك هؤلاء المنافقون قليلاً ؛ لأنّ الضحك حتّى لو استمر فإنّه ينتهي بفناء الدنيا ، وهو قليل لدى المقايسة مع بكائهم الدائم في يوم القيامة ؛ لأنّ ذلك ( يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ )(2) . وهم يبكون فيه كثيراً وباستمرار .

وهذا تهديد وإنذار من السيّدة زينب لأهل الكوفة ، وليس أمراً لهم بالضحك ، بل أمر بالتقليل من الضحك ، وتهديد ضمني أن لا مبرّر لضحكٍ وفرحٍ يتعقّبه بكاء طويل وعذاب مستمر .

فلقد ذهبتم بعارها وشنارها

يُقال : ذهب بها ، أي استصحبها . والعار : كلّ شيء

ـــــــــــــــــــ
(1) سورة التوبة / 82 .
(2) سورة المعارج / 4 .

---------------
يلزم منه عيب(1) ، أو كلّ ما يعيّر به الإنسان من قول أو فعل ، أو يلزم منه عيب أو سبّ(2) .

والشنار : العيب والعار(3) ، والأمر المشهور بالشنعة(4) .

ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً

ترحضوها : تغسلوها . غسل : ما يُغسل به ، كالماء والمواد المنظّفة المزيلة للأوساخ .

قد يقوم الإنسان بجريمة صغيرة يستطيع محاصرة مضاعفاتها ، وقد تكون الجريمة كبيرة جدّاً تأبى أن يحاصر أحد مضاعفاتها وآثارها ، أو ينسب الغفلة أو السهو والاشتباه إلى مباشر تلك الجريمة ، ويجعل الاعتذار سبباً وطريقاً للعفو عن ذلك المجرم وإغلاق ملفّه .

فالمعنى : لا يمكن لكم التخلّص من مضاعفات هذه الجناية العظمى ، فقد تعلّقت الجريمة بأعناقكم ، وسُجّلت

ـــــــــــــــــــ
(1) القاموس ـ للفيروز آبادي .
(2) أقرب الموارد ـ للشرتوني .
(3) مجمع البحرين ـ للطريحي . وكتاب ( العين ) للخليل بن أحمد .
(4) أقرب الموارد ـ للشرتوني .

-------------
في التاريخ بحيث لا يمكن تغطيتها أو إنكارها ، أو ذكر توجيهات واهية وسخيفة لهذا الجرم العظيم والذنب الجسيم .

وأنّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوّة ؟

رحض : رحض الثوب : غسله . أي كيف تغسلون عن أنفسكم ، وتمحون وتمسحون عن ملفّكم هذه الفاجعة العظيمة ، وهي قتل ولد رسول الله خاتم الأنبياء (صلّى الله عليه وآله) ؟!

وبعبارة اُخرى : كيف وبأي وجه يمكن لكم أن تُبرّروا قتل سليل خاتم النبوّة ؟! والسليل : هو الولد . كيف يمكن لكم غسل هذا الذنب العظيم عن أنفسكم ؟! وهل هناك مجال للاعتذار في ارتكاب جريمة بهذا الحجم ، ومع تلكم الكيفيّة والملحقات ؟!

ومعدن الرسالة ، وسيّد شباب أهل الجنّة ؟

إنّ الإمامة : هي امتداد للرسالة ، وكما أنّ الرسول يختاره الله تعالى لا الناس ، كذلك الإمام والخليفة



يختاره الله تعالى أيضاً وليس الناس .

والإمام الحسين (عليه السّلام) هو الخليفة الشرعي الثالث لرسول الله (صلّى الله عليه وآله)(1) في اُمّته . فلم يكن الإمام الحسين (عليه السّلام) رجلاً مجهولاً خامل الذكر ، غير معروف عند الناس ، بل كان مشهوراً عند جميع المسلمين بكلّ ما للعظمة والجلالة والقداسة من معان .

وأحاديث رسول الله في مدحه والثناء عليه كانت محفوظة في ذاكرة الجميع ، وآيات القرآن الكريم كانت تمجّده بما هو أهل لذلك ؛ فـ ( آية التطهير ) تشهد له بالعصمة والطهارة عن كلّ رجس ، وآية ( إطعام الطعام ) تنبئ عن نفسيته التي بلغت القمّة في الإخلاص وحبّ الخير للآخرين ، و( آية القربى ) جعلت إظهار المحبّة ومشاعر الودّ له أجراً لبعض أتعاب الرسول الكريم ، و( آية المباهلة ) أعلنت أنّه الابن المميّز للرسول الأقدّس (صلّى الله عليه وآله) ، وأنّه واحد من ( أهل البيت ) الذين بدعائهم يغيّر الله تعالى الموازين الكونيّة .

وأحاديث النبيّ العظيم حول مكانته ومنزلة أخيه الإمام الحسن كانت أشهر من الشمس في رائعة النهار ، كقوله (صلّى الله عليه وآله) : (( الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة )) ، (( الحسن والحسين إمامان إن

ـــــــــــــــــــ
(1) كتاب ( بحار الأنوار ) 43 / 261 .

--------------------
قاما وإن قعدا )) ، (( حسين منّي وأنا من حسين ، أحبّ الله مَنْ أحبّ حسين )) .

وكانت هذه الأحاديث وأمثالها قد ملأت آذان صحابة الرسول وتابعيهم المنتشرين في كلّ البلاد ، وخاصّة الكوفة .

فجريمة قتل الإمام الحسين لا يمكن أن تقاس بجريمة قتل غيره من الأبرياء ؛ لأنّ المقتول هنا عظيم فوق كلّ ما يتصوّر ، فيكون حجم جريمة قتله أكبر وأعظم من جريمة قتل أي بريء ، فلا يمكن لأهل الكوفة أن يغسلوا عن أنفسهم هذه الجريمة الكبرى .

ثمّ استمرت السيّدة زينب بذكر سلسلة من جوانب العظمة المتجمّعة في أخيها سيّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ لتبيّن للناس حجم الخسارة الفادحة ، ومضاعفات هذا الفراغ الذي حصل في كيان الأمّة الإسلاميّة ، وهو قتل الإمام المنتخب من عند الله تعالى لهداية البشر .

فقالت (عليها السّلام) : وملاذ خيرتكم

الملاذ : الملجأ والحصن الآمن الذي يُحتمى به



ويُلجأ إليه في الشدائد .

خيرتكم : المؤمنين الأبرار ، المتفوّقين في درجة إيمانهم بالله تعالى ، وفي جوانبهم الأخلاقية والإيمانية ؛ كالتقوى ، والعقيدة الراسخة ، وحماية وحراسة الدين ، تقديم الدين على كلّ مصلحة مادية كانت أو غيرها .

ومفزغ نازلتكم

المفزع : مَن يُفزع إليه ويُلتجأ إليه . النازلة : الشديدة من شدائد الدهر تنزل بالقوم(1) ، وقيل : النازلة : هي المصيبة الشديدة(2) .

ومنار حجّتكم

المنار : محلّ إشعاع النور . والحجّة : الدليل والبرهان للاستدلال على حقيقة شيء .

المنار : محلّ على سطح الدار ، كان الإنسان الكريم يشعل النار فيه ليلاً ليعلن للناس أنّ هنا محلاً للضيافة ، فيستدلّ بنور تلك النار التائهون عن الطريق ، أو المسافرون الذين وصلوا إلى البلد لتوّهم ، وهم يبحثون عن مأوى

ـــــــــــــــــــ
(1) كتاب ( العين ) للخليل بن أحمد .
(2) المعجم الوسيط .

--------------------
يلجؤون إليه حتّى يحين الصباح .

وتطلق هذه الكلمة حاليّاً على الأضواء الكشافة القويّة في درجة الإضاءة التي توضع على أبراج المراقبة في مطارات العالم ؛ لإرشاد الطائرات إلى محلّ المطار ، وخاصّةً في الليالي التي يخيم الضباب على سماء المدينة .

لقد جعل الله تعالى الإمام الحسين (عليه السّلام) مصباح الهدى ، ينير الدرب لكلّ تائه أو متحيّر ، ولكنّ الناس تجمّعوا عليه وكسروا المصباح ، وهم غير مبالين بما ينتج عن ذلك من مضاعفات ، ففي الظلام تقع حوادث السرقة والسطو على المنازل والبيوت ، وجرائم الاغتصاب والقتل ، والضياع عن الطريق ، والسقوط في الحفائر ، وغير ذلك .

أمّا مع وجود المصباح فلا تحدث هذه الجرائم والمآسي .

ولم يكن الإمام الحسين مناراً ماديّاً فقط ، بل كان مناراً لمَنْ يبحث عن الحقيقة ، ويسأل عن الدين ، ويريد الحصول على ردّ الشبهات ، وما يتبادر إلى بعض الأذهان من تشكيكات ؛ ولذلك فقد عبّرت السيّدة زينب عن الإمام الحسين بـ ( منار حجّتكم ) .



ومدرَةِ سنَتكم

السنة : العام القحط(1) ، وقيل : السنة المجدبة(2) وقيل : غلب إطلاق كلمة ( السنة ) على القحط ، مثل ما غلب إطلاق كلمة ( الدابّة ) على الفرس(3) .

هذا هو معنى السنة . ولم أعثر في المعاني التي ذُكرت في كتب اللغة معنى لكلمة ( مدرة ) يتناسب مع كلمة ( سنتكم ) ، ويحتمل أن يكون تصحيفاً لكلمة ( ومدد ) , أي مَنْ يزوّدكم بالمؤن الماديّة في سنوات القحط والجدب ، ويخلّصكم من المجاعة والموت .

أو يزوّدكم بالأدلّة المعنويّة حينما تحتارون في قضاياكم الدينيّة ، ومشاكلكم العائليّة ، وتتلاعب بأفكاركم التشكيكات والأفكار المنحرفة أو المستحدثة ، فتعيشون في ضياع لا تفرّقون بين السُنّة والبدعة ، وبين القول الحقّ والأقوال الباطلة المصبوغة بصبغة الدين .

ثمّ زادت السيّدة زينب (عليها السّلام) من درجة توبيخ

ـــــــــــــــــــ
(1) كتاب ( العين ) للخليل بن أحمد .
(2) لسان العرب ـ لابن منظور .
(3) أقرب الموارد ـ للشرتوني ، مع تصرّف في بعض الألفاظ .

-------------------

الناس ، محاولة منها لإيقاظ تلك الضمائر ، ولتعلن لهم أنّهم سوف لا يصلون إلى أي هدف تحرّكوا من أجله فقاموا بهذه الجريمة النكراء .

فقالت : ألا ساء ما تزرون

أي بئس ما حملتم على ظهوركم من الذنوب والجرائم ، فهي من نوع لا يبقي أي مجال لشمول غفران الله وعفوه لكم .

وبعداً لكم وسحقاً

بُعداً : أي أبعدكم الله تعالى بعداً عن رحمته وغفرانه . سحقاً : هلاكاً وبعداً ، يُقال : سحق سحقاً : أي بعُد أشدّ البُعد(1) .

فلقد خاب السعي ، وتبتّ الأيدي

خاب : لم ينل ما طلب ، أو انقطع رجاؤه(2) .

ـــــــــــــــــــ
(1) المعجم الوسيط . وقال الخليل في كتاب ( العين ) : السحق : البُعد . ولغة أهل الحجاز : بُعد له وسُحق ، يجعلونه اسماً ، والنصب على الدعاء عليه ، أي أبعده الله وأسحقه .
(2) معجم لاروس .

-------------------
تبتّ الأيدي ، التب : الخسران والهلاك(1) ، وقيل : القطع والبتر .

وخسرت الصفقة

الصفقة : معاملة البيع ، أو أية معاملة اُخرى . والمعنى أنّكم يا أهل الكوفة خسرتم المعاملة ، معاملة بيع الدين والآخرة في قبال الدنيا . فمن الجنون أن يبيع الإنسان ذلك في قبال عذاب مستمر ، مزيج بالإهانة والتحقير ، وبثمن قتل ابن رسول الله ، كلّ ذلك وهو يدّعي أنّه مسلم .

ولعلّ المعنى : أنّكم بعتم الحياة في ظلّ حكومة الإمام الحسين (عليه السّلام) بالحياة في ظلّ سلطة يزيد ، وذهبتم إلى حرب الإمام الحسين لتحافظوا على كرسيّ يزيد من الاهتزاز ، ولكنّ معاملتكم هذه خاسرة ، فسوف لا تتهنَّؤون في ظلّ حكومته ، فلا كرامة ولا أمان ولا مستقبل زاهر .

إنّ الدين والانضواء تحت لواء مَنْ اختاره الله تعالى هو الذي يوفر للإنسان الحياة السعيدة والعزّة والكرامة . أمّا الإعراض عن ذلك فسوف يجرّ الويلات لكم ،

ـــــــــــــــــــ
(1) كتاب ( العين ) للخليل ، ومجمع البحرين ـ للطريحي .

-----------------
فتتوالى عليكم حكومات جائرة ، فتعيشون حياةً ممزوجة بالتعاسة ، والذلّ الشامل لجميع جوانب حياتكم الدينيّة والاقتصاديّة والسياسيّة والأمنيّة وغيرها .

وهنا أدمجت السيّدة زينب (عليها السّلام) كلامها بالقرآن الكريم ، واستلهمت منه ذلك ، فقالت :

وبؤتم بغضب من الله ، وضُربت عليكم الذلّة والمسكنة

قال تعالى : ( وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذّلّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ )(1) .

وبؤتم بغضب من الله ، أي رجعتم وقد احتملتم معكم غضباً من الله تعالى ، وسوف يسبب لكم هذا الغضب العقاب الأليم ، والبعد عن رحمة الله وغفرانه بكلّ تأكيد .

وإنّ الجريمة مهما كان حجمها أكبر فسوف يكون غضب الله أشدّ ، وبالتالي يكون العذاب أكثر إيلاماً ، وأشدّ إهانةً وتحقيراً ، ويكون بُعْدُ المجرم عن عفو الله وغفرانه أكثر مسافة .

ـــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة / 61 .

-------------------
وضُربت عليكم الذلّة والمسكنة

ضُربت : أي كتبت : فلقد كتب الله تعالى لكم الذلّ ، وقدّر لكم المسكنة ؛ بسبب كفرانكم بنعمة وجود الإمام الحسين (عليه السّلام) والغدر به .

الذلّة والذلّ : يعني الهوان ، وهو العذاب النفسي المستمر ؛ بسبب الشعور بالحقارة والنقص ، والخوف من اعتداء الآخرين . المسكنة : الفقر الشديد والبؤس والتعاسة .

ثمّ بدأت السيّدة زينب (عليها السّلام) بوضع النقاط على الحروف ، وذلك بالتحدّث عن الأبعاد الاُخرى لحجم هذه الجريمة ، أو الجرائم النكراء ، فقالت : ويلكم يا أهل الكوفة ! أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم ؟!

الكبد : كناية عن الولد ، وقد روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( أولادنا أكبادنا ))(1) . فريتم : الفري : تقطيع اللحم .

لقد شبّهت السيّدة زينب الإمام الحسين بكبد رسول الله ،

ـــــــــــــــــــ
(1) كتاب ( بحار الأنوار ) 104 / 97 .

------------------

وشبّهت جريمة قتل الإمام بقطع كبد الرسول الكريم ، وكم يحمل هذا التشبيه في طياته من معان بلاغيّة ، وحقائق روحانيّة ، إذ من الثابت أنّ مكانة الكبد في الجسم لها غاية الأهميّة .

فكم يبلغ الانحراف بمَنْ يدّعي أنّه مسلم أن يقتل إماماً هو بمنزلة الكبد من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟!

وأي كريمة له أبرزتم ؟!

كريمة الرجل : ابنته ، فالسيّدة زينب (عليها السّلام) بنت السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السّلام) بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فهي إذن حفيدة الرسول الكريم ، والحفيدة تعتبر بنتاً للرجل . وقد كان النبي الكريم (ص) يعبر عن السيّدة زينب منذ الأيام الأولى من ولادتها بكلمة (( بنتي )) .

وكانت هذه البنت المكرّمة المحترمة تعيش في دارها خلف ستار الحجاب والعفاف ، وتحافظ على حجابها أكثر من محافظتها على حياتها ، ولكنّ أهل الكوفة هجموا على خدرها وخيامها ، وسلبوا حجابها ، ثمّ أسروها وأبرزوها إلى الملأ العام .

وكانت هذه المصيبة أشدّ من جميع المصائب وقعاً على قلبها بعد مصيبة مقتل أخيها الإمام الحسين (عليه السّلام) .



أيّها القارئ الكريم ، توقّف قليلاً لتفكّر وتعرف عظم الفاجعة . إذا كان سلب الحجاب عن امرأة مؤمنة عفيفة عادية أصعب عليها من ضربها بالسكاكين على جسمها ، فما بالك بسلب الحجاب عن سيّدة المحجبات وفخر المخدرات زينب الكبرى (عليها السّلام) ؟!

فهذه الجريمة لوحدها تعتبر من أعظم الجرائم التي ارتكبها أهل الكوفة تجاه بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

فكلّ ضمير حرّ لا يمكن له أن ينسى هذه الجريمة .

ولم تقتصر هذه المصيبة على السيّدة زينب (عليها السّلام) ، بل شملت أخواتها الطاهرات من آل رسول الله (ص) , والنسوة اللواتي كنَّ معها في قيد الأسر .

وأي دم له سفكتم ؟!

أتعلمون يا أهل الكوفة ، أي دم لرسول الله سفكتم ؟! لقد اعتبرت السيّدة زينب (عليها السّلام) الدم الذي سفك من الإمام الحسين يوم عاشوراء هو دم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؛ إذ من الثابت أنّ الدم الذي كان يجري في عروق الإمام الحسين (عليه السّلام) لم يكن كدماء سائر الناس ؛ لأنّ الإمام الحسين لم يكن رجلاً عاديّاً كبقية البشر ،



فكلّ قطرة من دمه الطاهر كان جزءاً من دم رسول الله ، فالإمام الحسين هو من ( أهل البيت ) ، وأهل البيت كتلة واحدة ، وقد صرح النبي الكريم (ص) بهذا المعنى يوم قال : (( اللّهمّ إنّ هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي وحامّتي ؛ لحمهم لحمي , ودمهم دمي ، يؤلمني ما يؤلمهم ، ويحزنني ما يحزنهم . أنا سلمٌ لمَنْ سالمهم ، وحربٌ لمَنْ حاربهم ، إنّهم منّي وأنا منهم ))(1) .

فالذين أراقوا دم الإمام الحسين هم في الواقع قد أراقوا دم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وهم يدّعون أنّهم مسلمون .

وأي حرمة له هتكتم ؟!

حرمة الرجل : ما لا يحلّ انتهاكه ، وحرم الرجل أهله(2) .

ـــــــــــــــــــ
(1) جاء ذلك في الحديث المشهور بـ ( حديث الكساء ) ، المروي في كتاب العوالم ـ للمحدّث الكبير الشيخ عبد الله البحراني 2 / 930 ، والحديث مروي عن الشيخ الكليني بأسناده المعتبرة عن الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري ، عن السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السّلام) .
(2) المعجم الوسيط .

---------------
وهتك الحرمة : يعني إهانة كرامة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في قتل ابنه الحسين ، وسبي كريماته وبناته ، والهجوم عليهنَّ في خيامهنَّ بكلّ وحشيّة .

وأيّ إهانة أكبر من هذه الإهانة ؟! لقد كانت المرأة تمتاز في الإسلام بصيانة معينة ، وكان كلّ مَنْ يهينها يستحق الذمّ واللوم من الجميع ، ولكنّ أهل الكوفة ، وبأمر من يزيد الطاغية وابن زياد اللعين ، قاموا بأبشع أنواع الجرائم في مجال إهانة رسول الله (ص) وإهدار كرامته .

ولذلك نقرأ في كتاب واحد من أبرز علماء أهل السُنّة هذا الكلام : إذا دافعنا عن يزيد ، واعتذرنا له في قتله الإمام الحسين بأنّه كان يرى منه منافساً له في الخلافة ، فبماذا وكيف نعتذر له في سبيه لبنات رسول الله وأسرهنَّ بتلك الكيفيّة المؤلمة ، ثمّ الانتقال بهنَّ من بلد إلى بلد ؟!

ثمّ استمرت السيّدة زينب (عليها السّلام) تصف فاجعة كربلاء الدامية ، وملحقاتها من سبي النساء الطاهرات بهذه الأوصاف المتتالية :

لقد جئتم بها

أي بهذه الجريمة التي لا مثيل لها في تاريخ البشر .



صلعاء

وهي الداهية الشديدة(1) ، أو الأمر الشديد ، ولعلّ المراد : الجريمة المكشوفة التي لا يمكن تغطيتها بشيء .

عنقاء

الداهية(2) ، وقيل : عنق كلّ شيء بدايته(3) . فلعل المعنى أنّ هذه الجريمة سوف تكون بداية لسلسلة من الأزمات والويلات لكم ، فلا تتوقّعوا خيراً بعد عملكم الشنيع هذا .

شوهاء

قبيحة(4) ، وفي نسخة : سوداء .

فقماء

العظيمة(5) أو الشديدة(6) .

هذا بعض ما ذكره اللغويون ، ولعلّ معنى ( فقماء ) أي معقّدة بشكل لا يمكن

ـــــــــــــــــــ
(1) ذكر ذلك ( المحيط في اللغة ) لابن عبّاد ، وكتاب ( العين ) للخليل بن أحمد .
(2) القاموس المحيط ، ولسان العرب .
(3) أقرب الموارد ـ للشرتوني .
(4) المعجم الوسيط .
(5) المنجد في اللغة ، وأقرب الموارد ـ للشرتوني .
(6) المعجم الوسيط .

--------------------
معرفة طريق إلى حلّها ، أو التخلّص من مضاعفاتها(1) .

خرقاء ، كطلاع الأرض

أي ملؤها(2) .

وملء السماء

لعلّ المعنى أنّ حجم هذه الجريمة أكبر من أن تشبه ، أو توصف بمساحة ، أو حجم معين ، بل هي بحجم الأرض كلّها ، والسماء والفضاء كليهما . أي أنّ حجمها أكبر من أن يتصوّر ؛ فإنّ قتل الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وفقدان الاُمّة إيّاه يعني :

أولاً : ابتلاء كلّ حرّ في العالم في جميع الأجيال القادمة بالحزن والأسى حينما يقرأ تفاصيل فاجعة كربلاء ، فحتى لو لم يكن مسلماً يشعر بالحزن وتتسابق دموع عينيه بالهطول ، ويشعر بالانزعاج والتذمر من الذين ارتكبوا هذه الجريمة النكراء .

ثانياً : لقد حُرِمَ البشر بمختلف دياناتهم وطبقاتهم ،

ـــــــــــــــــــ
(1) المحقق .
(2) المعجم الوسيط ، والقاموس المحيط ، وقال في ( لسان العرب ) : طلاع الأرض : ما طلعت عليه الشمس ، طلاع الشيء ملؤه . المحقّق .

-----------------
الصفحة (324)
وأعمارهم وأجيالهم وبلادهم من بركات وجود الإمام الحسين (عليه السّلام) ، والتي كانت تبقي آثاراً إيجابية مستمرةً ودائمةً إلى آخر عمر الدنيا .

ثالثاً : إنّ هذه الجريمة بحجمها الواسع فتحت الطريق أمام كلّ مَنْ يحمل نفساً خبيثة في أن يقوم بكلّ ما تسوّل له نفسه ، وتمليه عليه نفسيته في مجال الظلم والاعتداء على الآخرين ، وعدم التوقّف عند أي حدّ من الحدود في مجال الطغيان وسحق كرامة الآخرين .

وقد صرّح الإمام الحسين (عليه السّلام) بهذا المعنى حينما كان يقاتل أهل الكوفة بنفسه ، فقال : (( . . . أما إنّكم لن تقتلوا بعدي عبداً من عباد الله فتهابوا قتله ، بل يهون عليكم عند قتلكم إيّاي . . . ))(1) .

أفعجبتم أن مطرت السماء دماً ؟!

إنّ المصادر والوثائق التاريخيّة التي تصرّح بأنّ السماء أمطرت دماً بعد قتل الإمام الحسين (عليه السّلام) كثيرةً جدّاً ، وكان ذلك المطر أحمر يشبه الدم في لونه وغلظته . وهذه الحقيقة الكونيّة مذكورة في كتب الشيعة

ـــــــــــــــــــ
(1) كتاب معالي السبطين 2 / الفصل العاشر ، المجس الثالث ؛ وكتاب ( تظلّم الزهراء ) / 222 .

-------------------
والسُنّة ، القديمة منها والحديثة(1) .

ـــــــــــــــــــ
(1) إليك الآن بعض ما كتبه المؤرّخون حول هذه الظاهرة الغريبة التي حدثت يوم عاشوراء عند مقتل الإمام الحسين (عليه السّلام) :
1 ـ ذكر الحافظ محبّ الدين الطبري الشافعي (المتوفّى سنة 694 هـ) في كتابه ( ذخائر العقبى ) ، طبع مصر (عام 1356 هـ) / 145 قال : وذكر أبو نعيم الحافظ في كتاب ( دلائل النبوّة ) عن نضرة الأزديّة أنّها قالت : لمّا قتل الحسين بن علي أمطرت السماء دماً ، فأصبحنا وجبابنا ( أي آبارنا ) ، وجرارنا ( جمع : جرة ) مملوءةً دماً .
وعن مروان مولى هند بنت المهلّب ، قال : حدّثني بواب عبيد الله بن زياد أنّه لمّا جيء برأس الحسين بين يديه رأيت حيطان دار الإمارة تسايل دماً . خرّجه ابن بنت منيع .
وعن جعفر بن سليمان قال : حدّثني خالتي اُمّ سالم ، قالت : لمّا قُتل الحسين مُطرنا مطراً كالدم على البيوت والجُدُر . قالت : وبلغني أنّه كان بخراسان والشام والكوفة . خرّجه ابن بنت منيع . وعن اُمِّ سلمة قالت : لمّا قُتل الحسين مُطرناً دماً .
وعن ابن شهاب قال : لمّا قُتل الحسين (رضي الله عنه) لم يُرفع ، أو لم يُقلع حجر بالشام إلاّ عن دم . خرّجهما ابن السري .
2 ـ ذكر العلاّمة الشيخ المحمودي في كتابه عبرات المصطفين في مقتل الحسين (عليه السّلام) ، طبع إيران (عام 1417 هـ) / ص 169 ، ذكر أبو بكر محمّد بن أبي بكر التلمساني (المتوفّى بعد عام 644 هـ) في ترجمة الإمام الحسين ، في كتاب الجوهرة 2 / 218 ، طبع الرياض ، =

----------------
ـــــــــــــــــــ
= قال : روى البخاري في ترجمة سليم القاص تحت الرقم 2202 من القسم الثاني من المجلد الثاني من التاريخ الكبير 4 / 129 قال : وعن سليم القاص : مُطرنا يوم قتل الحسين دماً .
3 ـ وروى ذلك ابن حجر الهيثمي في كتابه الصواعق .
4 ـ وروى ذلك القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودة 2 / 320 .
5 ـ وروى ذلك سبط ابن الجوزي في كتاب مرآة الزمان / 102 .
6 ـ وروى البلاذري في الحديث 52 في كتابه أنساب الأشراف (طبع بيروت) 3 / 209 ، قال : حدّثني عمر بن شبة ، عن موسى بن إسماعيل ، عن حمّاد بن سلمة ، عن سليم القاص ، قال : مُطرنا أيّام قتل الحسين دماً .
7 ـ وروى الشيخ المحمودي أيضاً ، عن ابن العديم ، عن هلال بن ذكوان ، قال : لمّا قُتِلَ الحسين مُطرنا مطراً بقي أثره في ثيابنا مثل الدم .
وعن قرط بن عبد الله ، قال : مُطرت ذات يوم بنصف نهار فأصاب ثوبي فإذا دم ، فذهبت الإبل إلى الوادي فإذا دم فلم تشرب ، وإذا هو يوم قتل الحسين .
8 ـ وذكر القرطبي (المتوفّى سنة 671 هـ) في تفسيره المسمّى بـ ( الجامع لأحكام القرآن ) 16 / 141 ، طبع بيروت عام 1405 هـ ، قال سليمان القاضي : مُطرنا دماً يوم قتل الحسين . =

--------------
وكان هذا المطر الأحمر كإعلان سماوي على مستوى الكون ؛ لفظاعة حادث قتل الإمام الحسين (عليه السّلام) ، واستنكاراً لهذه الجريمة النكراء ، ولكن ( ما أكثر العبر وأقل الاعتبار ) .

وقد بقيت آثار تلك الدماء من ذلك المطر على جدران مدينة الكوفة وحيطانها ، وعلى ثياب أهلها مدّة تقرب من سنة كاملة .

لقد كان ذلك المطر تنديداً بفظاعة الجريمة ، وإنذاراً للعاقبة السيئة لأهل الكوفة في يوم القيامة .

ولعذاب الآخرة أخزى

أي إنّ العقاب الصارم لقتلة الإمام الحسين (عليه السّلام) سوف لا يقتصر ولا ينحصر بالعذاب الدنيوي ، والصفعات الدنيويّة المتتالية ، بل إنّ العذاب الإلهي ينتظرهم في الآخرة .

إنّ الدنيا سوف تنتهي ويخرج كلّ إنسان من قاعة

ـــــــــــــــــــ
=
9 ـ وروى ذلك الحافظ ابن عساكر الشافعي (المتوفّى عام 571 هـ) في كتابه ( تاريخ مدينة دمشق ) قال : حدّثتنا اُمّ شرف العبديّة ، قالت : حدّثتني نضرة الأزديّة ، قالت : لمّا قُتِلَ الحسين بن علي مطرت السماء دماً ، فأصبحت كلّ شيء لنا ملآن دماً . ( المحقّق ) .

----------------
الامتحان ، وعندها يكون المجرمون في قبضة محكمة العدالة الإلهيّة ، فمَنْ يخلّصهم في ذلك اليوم من رسول الله جدّ الحسين ؟!

وأنتم لا تُنصرون

أي لا تجدون مَنْ ينصركم يوم القيامة ، ومَنْ ينجيكم من العذاب الأليم ؛ لأنّ طرف النزاع هو الإمام المظلوم البريء المقتول الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ذاك الرجل العظيم الذي زيّن الله تعالى العرش الأعلى باسمه : (( إنّ الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة )) .

ومن الواضح أنّه سوف لا يتنازل عن حقّه مهما كانت نفسيّته المقدّسة عالية وفوق كلّ تصوّر ؛ لأنّ المجرمين ضربوا أرقاماً قياسيّة في اللؤم والخبث والغدر والجناية .

والمخاصم لأهل الكوفة هو أشرف الخلق ، وأعزّ البشر عند الله تعالى ، وهو سيّدنا محمّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وهو أيضاً لا يتنازل عن دم ابنه الحبيب العزيز ، وعن سبي بناته الطاهرات .

والمحامي هو جبرئيل سيّد أهل السماء ؛ حيث يقف ظهراً لرسول الله (ص) في قضية ملف مقتل الإمام الحسين (عليه السّلام) .










ونوعيّة الجريمة وحجمها ومضاعفاتها تأبى شمول الغفران والعفو الإلهي لها ؛ لعدم وجود الفوضى في أجهزة القضاء الإلهية ، فاللازم إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه . هذا أوّلاً .

وثانياً : إنّ من آثار هذه الجريمة النكراء هو أنّها تمنع المجرم من التوفيق للتوبة والإنابة إلى الله ، كما صرح بذلك الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السّلام) .

ويجب علينا أن لا ننسى أنّ كبار قوّاد جيش الكوفة كانوا من الذين قد كتبوا إلى الإمام الحسين بأن يأتي إليهم في الكوفة ، ووعدوه بالنصر حتّى لو آل الأمر إلى القتل والقتال ، وإلى التضحية ببذل دمائهم وأرواحهم ، وختموا رسائلهم بتوقيعاتهم وأسمائهم الصريحة .

إلى درجة أنّ البعض منهم أعطى لنفسه الجرأة في أن يكتب إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) هذه الكلمات : إنْ لم تأتنا فسوف نخاصمك غداً يوم القيامة عند جدّك رسول الله (ص) .

فهم إذن كانوا يعرفون الإمام الحسين ، ( وليس مَنْ يعرف كمَنْ لا يعرف ) ، والأحاديث الشريفة تقول : (( إنّ الله تعالى يغفر للجاهل سبعين ذنباً قبل أن يغفر للعالم ذنباً واحداً )) .



فلا يستخفنَّكم المهل

المهل : بضم الميم ، جمع المهلة ، وهي بمعنى الإنظار والإمهال وعدم العجلة(1) . أي لا يصير الإمهال والتأخير في الانتقام سبباً لخفّة نفوسكم ، وانتعاشها من الطرب والفرح ، وبذلك تأخذكم سكرة الانتصار والظفر .

فالانتصار الذي يتعقّبه العذاب الأليم مع فاصل زمني قصير لا يعتبر انتصاراً حقيقيّاً ، بل هو سراب مؤقت لا يعترف به العقلاء ، فـ ( لا خير في لذّة وراءها النار ) .

إنّ الإمهال ليس دليلاً على الإهمال ؛ فإنّ الله تعالى قد يمهل ، ولكنّه سبحانه لا يهمل ، وبناءً على هذا فلا يكون الإمهال سبباً لتصوّر خاطئ منكم بأنّ علّة تأخير العقاب هي أنّ الجريمة قد تمّ التغاضي والتغافل عنها ، ولسوف تُنسى بمرور الأيّام ؛ لأنّها شيء حدث وانتهى بلا مضاعفات لاحقة ، أو أنّ الانتقام غير وارد حيث إنّ الاُمور قد فلتت من اليد .

كلا ليس الأمر كذلك ، بل شاء الله تعالى أن يجعل الدنيا دار امتحان لجميع الناس ؛ الأخيار والأشرار ، وقرّر أن يدفع كلّ مَنْ يخالف أوامر الله ضريبة مخالفته ؛ إن عاجلاً أو آجلاً .

ـــــــــــــــــــ
(1) كما يستفاد ذلك من ( مجمع البحرين ) للطريحي .

-----------------
فعدم تعجيل العقوبة لا يعني أنّ الاُمور منفلتة من يد الله الغالب القاهر العليّ القدير ؛ فهو المهيمن على العالم كلّه ، لكنّه قد يؤخّر الجزاء لأسرار وحِكم يعلمها سبحانه ؛ فهو لا يعجّل العذاب للعاصين أحياناً أو غالباً ، ولكنّه بالمرصاد .

فكما أنّ الجندي الذي يجلس وراء المتراس يراقب ساحة الحرب ، وينتظر الوقت المناسب للهجوم أو لإطلاق القذيفة ، كذلك العذاب الإلهي ينزل في التوقيت المناسب مع ملاحظة سائر أسرار الكون . ولا مناقشة في الأمثال .

قال تعالى : ( وَلاَ تَحْسَبَنّ اللّهَ غَافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وأفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ )(1) .

وقد روي عن الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) أنّه قال : (( ولئن أمهل الله الظالم فلن يفوت أخذه ، وهو له بالمرصاد على مجاز طريقه ، وبموضع الشجى من مساغ ريقه ))(2) .

ــــــــــــــــــــ
(1) سورة إبراهيم / 42 ـ 43 .
(2) نهج البلاغة / 141 ، خطبة 97 ، طبع لبنان ـ المطبوع مع تعليقات صبحي الصالح .

-------------------
فإنّه لا يحفزه البدار

يحفزه : يُقال : تحفز في مشيه : أي جدّ وأسرع(1) فهو محتفز : أي مستعجل(2) ، والحفز : الإعدال في الأمر ؛ للبطش وغيره . البدار : يُقال : بدر إلى الشيء مبادرةً وبداراً : أسرع(3) ، وبدر فلاناً بالشيء : عاجله به(4) .

تقول السيّدة زينب (عليها السّلام) : اعلموا يا أهل الكوفة أنّ عدم نزول العذاب الإلهي عليكم ليس سببه الإهمال ، فإنّ الله تعالى لا تدفعه العجلة إلى إنزال العذاب ؛ لأنّ الحكمة الإلهية تجعل إطاراً للمقدرات الكونيّة ، ومنها : اختيار التوقيت المناسب لنزول العذاب ، واختيار نوعيّته . هذا أولاً .

وثانياً : لقد جاء في الحديث الشريف أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سأل ربّه أن لا يعاجل اُمّته

ــــــــــــــــــــ
(1) المعجم الوسيط .
(2) مجمع البحرين ـ للطريحي .
(3) المصدر نفسه .
(4) المعجم الوسيط .

-----------------

بالعذاب في الدنيا ، واستجاب الله تعالى لرسوله ذلك ؛ فجعل من القوانين الكونيّة عدم نزول العذاب الغيبي على الأمّة الإسلاميّة في الدنيا ؛ كرامةً واحتراماً لرسول الله ، وهذه الكرامة لم تكن لغير نبي الإسلام من الأمم السالفة ، والأنبياء السابقين في الزمن .

فمعنى قول السيّدة زينب (عليها السّلام) : ( فإنّه لا يحفزه البدار ) ، أي لا يحثّ الله سبحانه شيء على تعجيل العقوبة والانتقام ؛ لوجود أسباب وأسرار كونيّة ، ولعدم خوف انفلات المجرم من قبضة العدالة الإلهية . ونقرأ في الدعاء : (( ولا يمكن الفرار من حكومتك )) .

ولا يخاف فوت الثار ، وإنّ ربّك لبالمرصاد

فسوف يأتي الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله ظهوره) وينتقم من قتلة الإمام الحسين (ع) في الدنيا ، أمّا في الآخرة فستكون أوّل دفعة من البشر يؤمر بهم إلى نار جهنم هم قتلة الإمام الحسين (عليه السّلام) .

المرصاد : المكمن ، وهو المكان الذي يُختفى فيه عن أعين الأعداء ، بانتظار التوقيت المناسب للهجوم أو الدفاع .

* * * *



قال الراوي : فوالله ، لقد رأيت الناس يومئذ حيارى يبكون ، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم(1) ، ورأيت شيخاً واقفاً إلى جنبي يبكي حتّى اخضلّت لحيته ، وهو يقول : بأبي أنتم واُمّي ! كهولكم خير الكهول ، وشبابكم خير الشباب ، ونساؤكم خير النساء ، ونسلكم خير نسل ، لا يُخزى ولا يُبزى .

* * * *

إلى هنا انتهى ما هو مذكور في الكتب حول نص الخطبة ، وللقارئ الكريم أن يتساءل : ماذا حدث بعد ذلك ؟

الجواب : هذا ما ستقرؤه في الصفحات القادمة إن شاء الله .

ــــــــــــــــــــ
(1) لعلّ وضع أيديهم في أفواههم كان من أجل حبس أصوات بكائهم كي لا تُغطّي على صوت السيّدة زينب (عليها السّلام) ، وبذلك يستمروا في الاستماع إلى خطبتها ، أو كان ذلك لعضِّ أصابعهم بسبب شدّة الندم والتأثر للجريمة التي ارتكبوها ، أو المصيبة الكبرى التي نزلت بالإسلام والمسلمين . المحقّق .

-----------------
كيف ولماذا قطعوا على السيّدة زينب (عليها السّلام) خطابها ؟
كانت السيّدة زينب (عليها السّلام) الشجاعة المفجوعة تتكلّم بصوت شجيّ ، وكلّ كلمة منها تلهب أحاسيس الحزن والأسى والندم في الناس ، حتّى ضجّ الناس بالبكاء والعويل ، وارتبكت قوات الأمن والشرطة ، وصار كلّ احتمال للتمرّد والانتفاضة وارداً ، فكيف يتصرّفون ؟ وماذا يصنعون حتّى يقطعوا على السيّدة زينب خطابها ، ويصرفوا أذهان الناس إلى شيء آخر ؟

هناك مَنْ يقول : أمَروا بحركة القافلة ، وجاؤوا بالرمح الذي عليه رأس الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وقرّبوه من محمل السيّدة زينب ، وتعالت صرخات الناس : هذا رأس الحسين ، هذا رأس الحسين .

وكانت عينا الإمام مفتوحتين ، وهو ينظر نظرةً فريدة وصفها المؤرّخون بقولهم : شاخص ببصره نحو الأفق .



وهنا لم تستطع السيّدة زينب أن تستمر في الخطبة رغم شجاعتها وانطلاقها بالكلام ، فهاج بها الحزن من ذلك المنظر الذي وتر أعصابها ، وأوشك أن يقضي عليها ؛ بسبب الألم الذي بدأ يعصر قلبها العطوف عصرةً يعلم الله درجتها .

فكان ردّ الفعل منها أنّها نطحت جبينها بمقدم المحمل وبكلّ قوة ، حتّى سال الدم من رأسها وجبهتها ، وأومأت ( أي أشارت ) إليه بخِرقة ـ حسب العادة العشائريّة المتّبعة يومذاك عند رؤية جنازة الفقيد الغالي ـ ، وشاهدت أنّ الناس يشيرون بأصابع أيديهم إلى رأس الإمام الحسين كما يشيرون إلى مكان وجود الهلال في أوّل ليلة من الشهر .

فنادت السيّدة زينب (عليها السّلام) :

يـا هلالاً لمّا استتمَ iiكمالا غالَه خسفُهُ فأبدى iiغروبا
ما توهّمْتُ يا شقيقَ فؤادي كـان هـذا مُقدّراً iiمكتوبا

ويتصوّر أحد الشعراء ـ وهو الحاج هاشم الكعبي ـ ذلك



الموقف الحزين ، ويقول : كانت مع السيّدة زينب (عليها السّلام) في محملها بنت صغيرة للإمام الحسين (عليه السّلام) فحينما رأت رأس أبيها بدأت تناديه : يا أبه ، يا أبه ، كلّمني ، أين كنت ؟ ولمّا لم تسمع جواباً انفجرت بالبكاء الشديد ، فنادت السيّدة زينب مخاطبةً رأس أخيها العزيز :

أخي فاطمَ الصغيرةَ كلّمها فـقد كـادَ قلبُها أن يذوبا

* * *

الاحتمال الثاني : أنّ الإمام علي بن الحسين (عليه السّلام) تقدّم إلى عمّته ـ ولعل ذلك كان بأمر من الشرطة ـ وقال : (( يا عمّة اسكتي ، ففي الباقي من الماضي اعتبار ، وأنت بحمد الله عالمة غير معلّمة ، وفَهمة غير مفهّمة ؛ إنّ البكاء والحنين لا يردّان مَنْ قد أباده الدهر )) . فسكتت(1) .

ــــــــــــــــــــ
(1) الاحتجاج ـ للشيخ الطبرسي 2 / 305 ، طبع لبنان عام 1403 هـ .

----------------------



















من كتاب زينب الكبرى (عليها السّلام) من المهد إلى اللحد
بقلم المرحوم السيد محمّد كاظم القزويني
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://turaibel.mam9.com
 
شرح خطبة السيّدة زينب (عليها السّلام) في الكوفة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات قرية الطريبيل :: الاقـسـام الاسـلامـيـة :: منتدى أهل البيت عليهم السلام :: منتدى عقيلة الطالبين زينب عليها السلام-
انتقل الى: